
شهدت صيف 2015 توقيع مانشستر يونايتد المفاجئ مع أنطوني مارسيال، الذي لم يكن معروفاً كثيراً خارج فرنسا حينها، لكنه كان يحمل لقب أغلى لاعب مراهق في كرة القدم، متفوقاً على زميله لوك شو، وهو الرقم الذي كان بحوزة قائد يونايتد واين روني حتى عام 2014. وبعد أكثر من عقد من الزمن، بات مارسيال البالغ من العمر 30 عاماً على أعتاب بداية موسم جديد دون نادي، مع مستقبل مهني غامض.
قال المدافع الفرنسي السابق ويلي سانيول في 2015 لصحيفة فرانس فوتبول: “كان يذكرني بتييري هنري في أسلوبه وقدرته على تجاوز اللاعبين وتسريع اللعب. كان موهبته واضحة للعيان”.
أنفق الشياطين الحمر مبالغ كبيرة على ممفيس ديباي ومورغان شنايدرلين في ذلك الصيف، بالإضافة إلى تمديد عقد باستيان شفاينشتايجر للاستمرار في أوروبا. لكن وصول مارسيال في نهاية فترة الانتقالات فاق كل ما تم إنفاقه على اللاعبين الآخرين.
انتقال مارسيال من موناكو إلى مانشستر يونايتد جاء بتوقعات كبيرة. | فاليري هاشي/وكالة الصحافة الفرنسية/Getty Images
لم تكن موناكو تنوي بيع مارسيال، لكن المسؤول الكبير في النادي فاديم فاسيليف كشف أن يونايتد رفع عرضه الأولي إلى ثلاثة أضعاف تقريباً، ورفض النادي الفرنسي أربع عروض قبل أن يوافق على صفقة تبدأ بـ36 مليون جنيه إسترليني وتصل إلى 58 مليون مع الإضافات، ما يعادل 78.3 مليون دولار حسب سعر الصرف الحالي. ومن بين الإضافات الشهيرة كانت مرتبطة بفوز مارسيال بالكرة الذهبية. وأضاف فاسيليف: “هذا السعر يعادل أسعار لويس سواريز أو نيمار عند انضمامهم لبرشلونة، أفضل اللاعبين في العالم”.
هذا الأمر كان دليلاً واضحاً على مدى تقدير يونايتد لمارسيال وإمكاناته.
كان الجمهور خارج فرنسا قد شاهد لمحات من مارسيال خلال حملة دوري أبطال أوروبا 2014-15، حينما تفوق موناكو على أرسنال في دور الـ16. وعند وصوله إلى إنجلترا في سبتمبر 2015، كان مارسيال قد خاض أربع مباريات مع فريق ليون الأول و70 مباراة مع موناكو. وُلد ونشأ في ضواحي باريس، وبدأ مسيرته الكروية في فرق الناشئين بنادي ليس أوليس الشهير، حيث بدأ هنري مسيرته في الثمانينيات، وكذلك باتريس إيفرا في التسعينيات.
غادر مارسيال منزله للانضمام إلى ليون في سن 14، وظهر لأول مرة مع الفريق الأول بعد يوم من عيد ميلاده السابع عشر في ديسمبر 2012، ثم انتقل إلى موناكو بعد سبعة أشهر فقط. قضى فترات بين الفريق الرديف والفريق الأول في موسمه الأول، قبل أن يتم تصعيده بشكل دائم في الموسم الثاني، حيث شارك في 48 مباراة وسجل 12 هدفاً.
كان الضغط على مارسيال لتقديم أداء مميز في يونايتد بسبب قيمة الصفقة كبيراً جداً. الصحافة الإنجليزية كانت متشككة، وحتى مدربه الجديد لويس فان غال وصف قيمة الصفقة بأنها “مبالغ فيها”، معبراً عن ظاهرة ارتفاع أسعار اللاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز. حاول المدرب الهولندي تخفيف التوقعات قائلاً إن مارسيال تم التعاقد معه “للمدرب القادم ليونايتد”. لكن أفضل طريقة لإثبات نفسه كانت تسجيل هدف في ظهوره الأول ضد ليفربول. اللاعب البالغ من العمر 19 عاماً دخل كبديل وسجل هدفاً فردياً في الدقائق الأخيرة، مما عزز المقارنات المبكرة مع هنري. وبعد ثمانية أيام، أضاف هدفين في الفوز على ساوثهامبتون.
من أبرز لحظات موسمه الأول كان هدف الفوز في الوقت بدل الضائع في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي ضد إيفرتون، مما ساعد الفريق على التقدم نحو أول لقب كبير منذ اعتزال السير أليكس فيرجسون. أنهى الموسم بـ11 هدفاً في الدوري و17 هدفاً في جميع المسابقات، أرقام واعدة لكنها لم تكن استثنائية، لكنها رسمت صورة مشرقة للمستقبل.
مع قدوم جوزيه مورينيو مدرباً جديداً في صيف 2016، كان من الضروري تعزيز الفريق بلاعبين ذوي خبرة بعد تقليص خيارات المهاجمين إلى مارسيال البالغ 20 عاماً وماركوس راشفورد البالغ 18 عاماً. جاء التعاقد مع زلاتان إبراهيموفيتش ليغير وضع مارسيال، ليس فقط بأخذ مركزه كمصدر رئيسي للأهداف، بل أيضاً بسحب الرقم 9 منه دون موافقته. وقال ممثله فيليب لامبولي لإذاعة RMC إن ذلك القرار “فاجأه وأزعجه”، واصفاً الأمر بأنه “غير محترم وغير مناسب”، وأضاف: “أبلغت إدارة يونايتد بمشاعرنا. لا يتم اتخاذ قرارات كهذه هكذا. لقد تجاوزنا الأمر لكننا لم ننساه”.
بعد إبراهيموفيتش، جاء التحدي من روميلو لوكاكو، الذي تم شراؤه بمبلغ كبير. رغم تحسن أرقام مارسيال بعد موسم 2016-17 المخيب للآمال بتسجيله أربعة أهداف فقط في الدوري، إلا أن نصف مشاركاته في موسم 2017-18 كانت كبديل. موسم 2018-19 شهد تقلبات، حيث حصل على جائزة لاعب الشهر في أكتوبر 2018، لكنه ظل في ظل لوكاكو، رغم عدم تنافسهما على نفس المركز مباشرة.
لكن مشاكل لوكاكو أدت إلى رحيله قبل موسم 2019-20، تحت قيادة أولي جونار سولشاير، حيث استعاد مارسيال رقم 9 القديم واغتنم الفرصة بقوة.
حتى ذلك الحين، كان مارسيال غالباً ما يلعب من الجناح الأيسر، لكنه تم استخدامه كمهاجم مركزي خلال الموسم المتأثر بجائحة كوفيد-19. بعد أن تجاوز منافسيه، منح سولشاير ثقته له، وظهر بنضج وثقة جديدة، مسجلاً 23 هدفاً في جميع المسابقات ضمن فريق جديد بدا واعداً.
كان هذا الموسم أيضاً هو الأول الذي يتجاوز فيه راشفورد 20 هدفاً في موسم واحد، لكنه استمر في تحقيق ذلك في الموسم التالي، بينما عانى مارسيال من أسوأ موسم له حتى ذلك الوقت، حيث سجل أربعة أهداف فقط في الدوري، منها هدفان في مباراة الفوز 9-0 على ساوثهامبتون. تعرض للطرد وحصل على إيقاف لثلاث مباريات في بداية الموسم، مما وضعه في موقف صعب، إلى جانب تزايد المشاكل البدنية واللياقية.
بدأت الإصابات تؤثر عليه في نهاية موسم 2020-21، ولم يستعد مستواه في موسم 2021-22 الذي قضاه معاراً إلى إشبيلية، حيث لم يسجل أي هدف في تسع مباريات بالدوري الإسباني. لم يستطع الحفاظ على لياقته في موسمي 2022-23 و2023-24، رغم أن عهد إريك تن هاج بدا مناسباً له. لعب مارسيال آخر مباراة له مع يونايتد في 9 ديسمبر 2023، وتم الاستغناء عنه بعد انتهاء عقده بعد ستة أشهر.
في أفضل موسمين له مع مانشستر يونايتد، 2015-16 و2019-20، سجل مارسيال 40 هدفاً في 97 مباراة. أما في السنوات الأربع الأخيرة، فقد سجل 19 هدفاً في 95 مباراة، وهو تراجع حاد للاعب كان يُتوقع أن يصبح نجماً كبيراً. ومن المهم الإشارة إلى أن سانيول وصف صفقة مارسيال بأنها “مخاطرة رائعة” قد تنجح أو تفشل.
في مقابلة عام 2022 مع فرانس فوتبول، أشار مارسيال إلى حاجته للاستمرارية ليقدم أداءً جيداً، وأنه يفضل دوراً محدداً وثابتاً بدلاً من التكيف مع متغيرات ومتطلبات مختلفة وإصابات متكررة. هذا ما يفسر بعض مشاكله مع إبراهيموفيتش ثم لوكاكو، بالإضافة إلى تراجع تأثيره مع تزايد الإصابات التي قللت من فرص مشاركته بانتظام.
قال مارسيال: “عندما أحصل على مكاني، الأمور تسير جيداً، لكن عندما ألعب أقل، لا تكون أدائي نفسه. إنها حلقة مفرغة: أكون أقل فاعلية لأنني ألعب أقل، وبالتالي ألعب أقل. وعندما يحدث ذلك، قد أختفي قليلاً”.
في نفس مقابلة فرانس فوتبول التي أجريت بداية موسم 2022-23، كشف مارسيال أنه “كان يلعب مصاباً بانتظام” خلال الموسمين السابقين، حتى وصل إلى مرحلة “لم يعد بإمكانه التسريع” بعد موسم 2019-20 المميز.
بدت هناك بعض المرارة تجاه سولشاير، حيث قال: “سولشاير يقول لي إنه يحتاجني، لذلك ألعب”. لكن بدون تسارعه، أصبح أداء مارسيال محدوداً، مما جعله عرضة للانتقادات التي اعتبرها غير عادلة، مضيفاً: “المدرب لم يهتم بإخبار الإعلام بذلك”.
ربما كان هذا بداية النهاية لمارسيال، الذي فقد السمة الأساسية التي جعلته نجماً واعداً. من الناحية الفنية، ظل لاعباً ذا جودة عالية، لكن ذلك لم يكن كافياً عندما لم يستطع الأداء البدني أن يدعم مهاراته.
تدهورت مسيرة مارسيال بشكل ملحوظ بعد رحيله عن أولد ترافورد قبل صيفين. بعد توقيعه مجاناً مع أيك أثينا، سجل سبعة أهداف في 16 مباراة بالدوري اليوناني، لكن المشكلة كانت في قلة عدد المباريات.
رغم ذلك، كان ذلك كافياً لجعل نادي مونتيري المكسيكي يتعاقد معه الصيف الماضي، وليس مجرد مخاطرة بلاعب حر. لكن تجربته في المكسيك كانت صعبة، خاصة بعد تعرضه لخلع في الكتف. في 17 مباراة في دوري المكسيك، سجل هدفاً واحداً فقط، وبعد تقارير محلية عن خلافات، تم فسخ عقده بالتراضي قبل منتصف عقده الممتد لعامين.
حدث ذلك في بداية يونيو، ومنذ ذلك الحين، لم تتغير الأمور، حيث لم يعد اسمه محل نقاش، وتبدو آفاقه المهنية قاتمة للغاية.
أضفنا كمصدر مفضل على جوجل