
شهدت انجلترا موقفاً مألوفاً لكن هذه المرة كانت على مقربة شديدة من بلوغ نهائي كأس العالم، حيث كانت على بعد خمس دقائق فقط من نهاية الوقت الأصلي في مباراة نصف النهائي التي أقيمت مساء الأربعاء في أتلانتا قبل أن تنهار الأمور بشكل درامي. في الحقيقة، بدأت الأمور تتداعى قبل الدقيقة 85 بفترة طويلة.
شهد الشوط الأول من نصف نهائي كأس العالم على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا أداءً متواضعاً ومتوترًا، حيث لم ينتج عن اللقاء سوى فرصة متوقعة مشتركة بلغت 0.07، مع ارتكاب 19 مخالفة، وكان جوليانو سيموني من الأرجنتين، الذي شارك أساسياً لأول مرة في الأدوار الإقصائية، حريصاً على تقليل اللعب قدر الإمكان.
خرجت الأرجنتين عازمة على إعاقة انجلترا والانتظار للفرصة المناسبة للهجوم. من جانبها، فضلت إنجلترا التماسك في المواجهة، والاعتماد على التصديات والكرات الهوائية والمواجهات الثنائية، مع تجنب الانجرار إلى الهجوم والحفاظ على الهدوء.
شهد الشوط الثاني تحولاً كبيراً، حيث جاء هدف انجلترا من أول فرصة حقيقية، عندما استغل أنتوني جوردون غفلة نيكولاس تاجليافيكو في الجهة الخلفية ليسجل من تمريرة مورغان روجرز التي لم تفشل في الوصول إلى المرمى.
غير هذا الهدف مجرى المباراة والبطولة بشكل واضح.
بعد هدف جوردون، استيقظت الأرجنتين وتراجعت انجلترا بشكل ملحوظ. خلال الأربعين دقيقة التالية، شن منتخب الأرجنتين هجمات متتالية على مرمى إنجلترا، بقيادة ليونيل ميسي الذي كان المحرك الرئيسي للهجمات.
لمس ميسي الكرة 94 مرة، وهو ثاني أكثر اللاعبين تلامساً للكرة بعد إنزو فرنانديز، الذي سجل هدف التعادل. كما صنع ميسي أربع فرص، وأكمل عشرة مراوغات، وكان له ست لمسات داخل منطقة الخصم.
كان هدف التعادل الذي سجله فرنانديز بمثابة لحظة حاسمة، حيث شعر الجميع أن هذا الهدف كان وشيكاً. رغم بعض الهفوات مع الكرة، قدم الحارس جوردان بيكفورد أداءً مميزاً في التصدي للعديد من الفرص قبل الهدف.
أهدر أليكسيس ماك أليستر فرصة محققة عندما اصطدمت تسديدته بالقائم، كما أضاع نيكولاس غونزاليس رأسية قريبة قبل أن يسجل فرنانديز هدف التعادل.
لم تستطع انجلترا فرض سيطرتها على المباراة بعد الهدف، على عكس منتخبات الرأس الأخضر ومصر وسويسرا التي استغلت الهجمات المرتدة ضد الأرجنتين، لكن إنجلترا لم تحاول ذلك.
لم يصنع جود بيلينجهام وهاري كين أي فرصة خلال اللقاء، وبلغ مجموع فرصهما المتوقعة 0.03 فقط، كما لم يلمس كين الكرة داخل منطقة الخصم. استحوذت إنجلترا على 12% فقط من الكرة بين هدف جوردون وهدف التعادل للأرجنتين، بينما أكملت الأرجنتين 147 تمريرة من أصل 155 في نفس الفترة.
كان ديكلان رايس اللاعب الوحيد لإنجلترا الذي أكمل مراوغة بعد الهدف في الدقيقة 55. جوردون، هداف إنجلترا وأفضل لاعب في التمرير، خرج كأول تبديل لتوماس توخيل ودخل بدلاً منه المدافع إزري كونسا بعد مرور أكثر من 70 دقيقة.
خاض هاري كين دوراً دفاعياً مكثفاً لكنه ترك فراغاً كبيراً في الهجوم، مما سمح للأرجنتين بالضغط بسهولة. أجرى توخيل تبديلين دفاعيين آخرين قبل نهاية المباراة بعشر دقائق تقريباً، بدخول دان بيرن ونيكو أوريلي، في محاولة لتثبيت الدفاع ومواجهة الضغط.
خلال فترة 18 دقيقة بين الدقيقة 66 و84، أتمت إنجلترا تمريرتين فقط بدقة، وامتلكت الكرة بنسبة 7.5% فقط من الدقيقة 67 حتى 92، وهو رقم غير مسبوق في كرة القدم الاحترافية، خاصة في نصف نهائي كأس العالم.
نجح ميسي في الوصول إلى نهائي كأس العالم للمرة الثالثة في مسيرته. في الأدوار السابقة، تمكنت إنجلترا من الصمود أمام المكسيك والنرويج بأسلوب دفاعي محكم، لكن مواجهة ميسي كانت مختلفة تماماً.
ميسي، الذي شغل موقع ظهير أيمن تقريباً، تحرك بحرية ومرونة، محدثاً اختراقات متكررة في دفاع إنجلترا، حيث قدم تمريرته الثانية الحاسمة للوتارو مارتينيز الذي سجل برأسه.
مع اقتراب النهائي، يبدو أن ميسي قد ضمن جائزة أفضل لاعب في البطولة.
تعرض توماس توخيل لانتقادات عقب الخسارة في نصف النهائي. رغم وصفه بأنه مدرب ذكي وجريء، فإن مسار خروج إنجلترا من البطولة يعكس نمطاً مألوفاً من الفشل.
تراجع إنجلترا بعد تسجيل الهدف وافتقادها للجرأة في استغلال الفرص سيظل محل نقاش طويل. هذه هي المرة الثالثة منذ 2018 التي تفقد فيها إنجلترا تقدماً في نصف نهائي أو نهائي بطولة كبرى.
إنجلترا هي الدولة الوحيدة في القرن الحادي والعشرين التي سجلت أولاً في نصف نهائي كأس العالم لكنها لم تفز بالمباراة، بعد خسارتها أمام كرواتيا في روسيا 2018.
دافع توخيل عن قراراته الدفاعية قائلاً: “يمكن مناقشة هذا مع مليون مدرب، لكن علي اتخاذ القرار في الملعب. أنا المسؤول عن تحليلي للمباراة، ولا أندم على قراري في اللحظة. الفريق بذل كل ما لديه وكنا قريبين جداً. استحقينا التقدم 1-0.”
أوضح توخيل: “قررنا اللعب بخمسة مدافعين لأن الفجوات كانت واسعة جداً. لعبت الأرجنتين بمخاطرة أكبر وإيقاع أسرع، وشعرت أنهم لا يخسرون شيئاً، مما منحهم حرية أكبر وسحبنا إلى الخلف. لعبنا وكأن لدينا الكثير لنخسره، وهذا كان خطأ.”
تشير التقارير إلى أن توخيل يحظى بدعم الاتحاد الإنجليزي رغم طريقة الخروج، ويستمر عقده حتى نهاية بطولة أوروبا 2028 في المملكة المتحدة وأيرلندا.
أعرب بعض اللاعبين عن شعورهم بأنهم كان بإمكانهم تقديم المزيد، حيث قال مارك جويهي لهيئة الإذاعة البريطانية: “كان يجب أن نستمر في الضغط”، بينما قال القائد هاري كين: “بعد التقدم 1-0، بدا أننا اكتفينا بالتمسك بالنتيجة، وهذا غير كافٍ على هذا المستوى، وأنا محبط.”
تتجه الأرجنتين إلى النهائي، بينما تواجه إنجلترا مباراة تحديد المركز الثالث، المعروفة بمباراة “الميدالية البرونزية”، ضد فرنسا يوم السبت في ميامي.
بعد ذلك، سيكون على إنجلترا إعادة ترتيب أوراقها والاستعداد للمحاولات القادمة. رغم أن اللاعبين مثل بيلينجهام وكين ورايس يحققون نجاحات مع أنديتهم، إلا أن النجاح الدولي لا يزال بعيد المنال.
عند سؤاله عن المشاركة في كأس العالم 2030، لم يستبعد كين خوض محاولة أخرى، لكنه أشار إلى أن عمره سيكون 33 عاماً حينها، مقارنة بميسي الذي لا يزال يقدم أداءً مميزاً في سن 39.
قبل كأس العالم 2030، ستكون بطولة أوروبا المقبلة على الأراضي الإنجليزية في غضون عامين فرصة مهمة للمنتخب، لكن هناك حاجة ماسة للمراجعة والتعلم.
قال كين: “الآن، علينا التعامل مع هذه الخسارة الصعبة.”