
في الأسابيع التي سبقت انطلاق كأس العالم 2026، جمع ماوريسيو بوتشيتينو، مدرب المنتخب الأمريكي لكرة القدم، لاعبيه وألقى خطاباً حماسياً محفزاً قال فيه: “لماذا لا نحن؟”. هذه العبارة البسيطة التي حملت روح التحدي والإيمان بالذات، عكست الطموح الأمريكي الذي يتميز بالعزيمة والإصرار، وهو ما جسده بوتشيتينو الأرجنتيني في كلماته التي تذكر بخطاب هيرب بروكس الشهير قبل معجزة 1980 في “المعجزة على الجليد”.
عبارة “لماذا لا نحن؟” أصبحت شعاراً يتكرر في أذهان لاعبي المنتخب الأمريكي طوال مشوارهم في البطولة حتى وصولهم إلى دور الـ16، ولا يزالون يتشبثون بها رغم الخروج المفاجئ بعد الهزيمة الثقيلة 4-1 أمام بلجيكا. نشر نجم المنتخب، المهاجم فولارين بالوغون، عبر حسابه على إنستغرام رسالة اعتذار للجماهير قائلاً: “أود أن أعتذر لجماهيرنا، لم نكن على المستوى المطلوب عندما كان الأمر في غاية الأهمية. كرة القدم في أمريكا ستكبر أكثر، الإيمان، والموهبة، والشغف في تزايد مستمر، وأنا واثق أن أفضل الأيام أمامنا. المستقبل لمن لا يتوقف عن الإيمان، وهذه اللحظة ستدفعنا للأمام. سنعود، لماذا لا نحن؟”.
أما مستقبل بوتشيتينو مع المنتخب الأمريكي فلا يزال غير محدد، حيث ينتهي عقده الممتد لعامين مع الاتحاد الأمريكي لكرة القدم هذا الصيف. وأفادت التقارير بأنه تلقى عرض تمديد العقد قبل انطلاق البطولة ليقود الفريق في دورة كأس العالم القادمة حتى عام 2030، لكن المدرب البالغ من العمر 54 عاماً أكد أنه لن يتخذ أي قرار مهني حتى تهدأ الأوضاع بعد الخروج من البطولة. وقال بعد المباراة: “الآن ليس الوقت المناسب للحديث عن ذلك، أعتقد أن الوقت الآن لتقييم البطولة، وأنا متأكد من أننا سنبدأ الحديث في الأسابيع القادمة إذا رغب الاتحاد الأمريكي في ذلك”.

على الرغم من تبني بوتشيتينو للقيم الأمريكية، إلا أن اللاعبين تبنوا أسلوبه الفني الجنوب أمريكي، مما شكّل مزيجاً مثالياً بين الروح القتالية الأمريكية والأسلوب التكتيكي الذي يقدمه المدرب. دخل المنتخب الأمريكي الملعب بعقلية “نحن أمريكيون ولا نقبل الهزيمة”، وهو ما كان الوقود الذي أطلقه بوتشيتينو لتعليمهم كيف يكونوا الطرف المسيطر والمهاجم.
قال الجناح المخضرم تيموثي ويه قبل انطلاق البطولة: “العدوانية والقتال، بوتشيتينو جلب تلك الروح الجنوب أمريكية التي كنا نفتقدها. كنا دائماً الجانب الطيب، لذا من الجميل أن نكون الطرف المهاجم قليلاً. المدرب بوتش مدرب رائع، ولا أطيق الانتظار لرؤية ما سنحققه تحت قيادته”.
وأضاف نجم الوسط تايلر آدامز في وقت سابق من الصيف: “بوتشيتينو شخص مذهل، يغير ثقافة كل شيء لدينا هنا في الاتحاد الأمريكي لكرة القدم”.
نجح المنتخب الأمريكي في فرض هويته الواضحة للمرة الأولى منذ تولي بوتشيتينو المسؤولية، حيث ظهر الفريق بثقة عالية وأسلوب هجومي منظم، متقدماً بسرعة في الملعب بحركات ديناميكية مدروسة. في جميع مباريات دور المجموعات الثلاث، فرض الأمريكيون إيقاع اللعب وافتتحوا التسجيل خلال أول 11 دقيقة من كل مباراة. وعلى الرغم من صعوبة التسجيل مبكراً في مواجهة البوسنة والهرسك في دور الـ32، إلا أنهم سيطروا على مجريات اللعب منذ البداية.
حقق المنتخب الأمريكي الفوز على أستراليا 2-0، متصدراً المجموعة الرابعة قبل جولة من النهاية. لكن في مباراة دور الـ16 أمام بلجيكا، ظهر الفريق بشكل مختلف تماماً، وكأنه فريق خائف أمام منافس أوروبي قوي. لم يكن الأمر مجرد تفوق بلجيكي، بل بدا المنتخب الأمريكي محطمًا منذ صافرة البداية.
ورغم تحفظ بوتشيتينو عن إلقاء اللوم على عوامل خارجية، إلا أن الجدل حول البطاقة الحمراء التي حصل عليها بالوغون كان له تأثير كبير على أداء الفريق. فقد ألغت الفيفا البطاقة الحمراء بشكل مثير للجدل، وهو قرار شمل حتى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لكن هذا لم يمنح اللاعبين حافزاً إضافياً، بل على العكس، أزال ذلك الحافز الأمريكي الذي كان يدفعهم للمنافسة بشراسة، مما منح بلجيكا الأفضلية النفسية والسيطرة على المباراة منذ البداية.
منذ اللحظة الأولى، سيطر الفريق الأوروبي على مجريات اللعب، وخلق فرصاً خطيرة خلال أول 30 ثانية، ولم يكن مفاجئاً أن يسجل بلجيكا هدفه الأول في الدقيقة التاسعة. في المقابل، لم يتمكن المنتخب الأمريكي من استعادة توازنه وارتكب أخطاء متتالية طوال المباراة.
قال بوتشيتينو بعد المباراة: “الجميع رأى من البداية أننا لم نكن متصلين باللعبة، لم نكن في المباراة أبداً، حتى عندما سجلنا هدف التعادل، استقبلنا هدفاً في الهجمة التالية. كان الأمر صعباً منذ البداية. مبروك لبلجيكا، كانوا أفضل منا. لا أبحث عن أعذار، لم نظهر المستوى الذي نعتاده، هذه هي الحقيقة”.
يتمتع بوتشيتينو بمحبة كبيرة من لاعبيه، الذين يرون فيه القائد الذي يمكنه إعادة بناء الفريق. بعد الهزيمة القاسية، يبقى الأمل في أن يعود الفريق أقوى وأكثر تماسكاً. أكد بوتشيتينو على ضرورة تقييم الأداء لمعرفة أسباب التراجع في مواجهة بلجيكا مقارنة ببقية مباريات كأس العالم. وقال: “نحتاج إلى تقييم أدائنا ومعرفة لماذا لم نلعب بنفس الطريقة التي لعبنا بها في بقية البطولة”.
نشر قلب الدفاع كريس ريتشاردز صورة له مع بوتشيتينو عبر إنستغرام معلقاً: “هذا لن يجعلنا إلا أقوى في المستقبل. معاً”.
يبقى السؤال مطروحاً حول استمرار بوتشيتينو في قيادة المنتخب الأمريكي على المدى الطويل، وهو أمر ستكشف عنه الأيام القادمة.