رحلة بول بوغبا بين القمة والسقوط بعد تتويجه بكأس العالم

مسيرة بول بوغبا بين الألقاب والإيقافات وتأثيرها على مستقبله الكروي

شهدت مسيرة بول بوغبا تقلبات حادة، بدءاً من كونه أغلى لاعب في تاريخ كرة القدم، مروراً بتحقيقه لقب كأس العالم، وصولاً إلى إيقافه لمدة 18 شهراً بسبب تعاطي المنشطات. انطلقت رحلته من أكاديمية لوهافر في فرنسا، حيث حقق أعلى النجاحات وأصعب النكسات خلال فترتين مع مانشستر يونايتد ويوفنتوس، بالإضافة إلى فترة قصيرة مع موناكو بعد عودته للملاعب في 2025. قلائل هم من أسروا خيال الجماهير مثل هذا اللاعب الفرنسي الموهوب خلال القرن الحادي والعشرين، إذ كان ظاهرة لا جدال فيها، يتمتع بثقة عالية ويجسد صورة نجم كرة القدم الحديث، إلى جانب كونه من أبرز لاعبي خط الوسط في العقد الماضي.

رغم أن بوغبا يبلغ من العمر 33 عاماً فقط، إلا أنه يواجه قريباً وضعاً بلا نادٍ. وفقاً لتقارير BBC Sport، تجري حالياً محادثات لإنهاء عقده بعد مشاركته في ست مباريات فقط مع موناكو خلال موسم 2025–26. بعد ثماني سنوات من تتويجه بكأس العالم 2018، يجد بوغبا نفسه في حالة من عدم اليقين.

سنوات يوفنتوس الذهبية

كان بوغبا لا يُقهر في تورينو. في عام 2009، استحوذ مانشستر يونايتد بسرعة على بوغبا من لوهافر، وسط جدل كبير حيث اتهم النادي الفرنسي الشياطين الحمر بـ”سرقة” لاعبه المميز بطريقة غير قانونية، لكن الصفقة تمت بعد موافقة حكم معين من الفيفا. رحيل بوغبا عن أولد ترافورد بعد ثلاث سنوات أثار غضباً جماهيرياً، خاصة بعد الخلافات العلنية بينه وبين مدربه السابق أليكس فيرجسون، حيث اتهم كل منهما الآخر بـ”عدم الاحترام”. شارك بوغبا في سبع مباريات فقط مع الفريق الأول لمانشستر يونايتد، ورفض تمديد عقده، لينتقل مجاناً إلى يوفنتوس. قد يكون عودة بول سكولز من الاعتزال في يناير 2012 قد أثرت سلباً على فرص بوغبا في التشكيلة الأساسية.

كانت الخسارة فادحة ليونايتد وجماهيره، حيث بدأ بوغبا في التألق مع يوفنتوس. في موسمه الأول، خاض 37 مباراة وسجل خمسة أهداف، وتطور أداؤه بشكل ملحوظ في المواسم التالية. موسم 2013–14 شهد مشاركته في 18 هدفاً وفاز بلقب الدوري الإيطالي للمرة الثانية على التوالي، تلاه موسمان سجل خلالهما 20 هدفاً وقدم 22 تمريرة حاسمة. كان بوغبا عنصراً أساسياً في تحقيق الثنائية المحلية مرتين متتاليتين، كما كان لاعباً محورياً في وصول الفريق إلى نهائي دوري أبطال أوروبا 2014–15، حيث خسر أمام برشلونة. لم يكن هناك العديد من لاعبي الوسط الذين تركوا بصمة مثل بوغبا، الذي جمع بين القوة والدقة والرشاقة، وامتلك مجموعة مذهلة من المهارات والحركات التي جعلت يونايتد يعيد النظر في استعادته.

عودة بوغبا القياسية إلى مانشستر يونايتد

حقق يوفنتوس أرباحاً كبيرة من بيع بوغبا في أغسطس 2016، حيث طلب النادي الإيطالي مبلغاً قياسياً آنذاك بلغ 89.3 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 120.6 مليون دولار حالياً) مقابل انتقاله، وهو المبلغ الذي دفعه مانشستر يونايتد على مضض لاستعادته إلى أولد ترافورد. بدا أن عودة بوغبا ستكون ناجحة، لكن جوزيه مورينيو لم يكن منفتحاً على إبراز موهبته بشكل كامل. رغم البداية الجيدة بينهما، سرعان ما تصادمت شخصياتهما القوية. كان بوغبا قادراً على التألق في أي يوم، لكن عدم الاستقرار كان العائق الأكبر أمام استعادة مستواه مع يوفنتوس. مع ذلك، سجل تسعة أهداف وقدم ست تمريرات حاسمة في موسمه الأول، محققاً لقب الدوري الأوروبي وكأس الرابطة الإنجليزية.

في الموسم التالي، ساهم في 18 هدفاً، لكن العلاقة بينه وبين مورينيو تدهورت بشكل كبير. في منتصف موسم 2018–19، وصفه مورينيو بـ”الفيروس” وجلس بوغبا على مقاعد البدلاء لعدة مباريات، قبل أن يُقال مورينيو عقب هزيمة مذلة 3–1 أمام ليفربول. مع تعيين أولي جونار سولسكاير مؤقتاً، استعاد بوغبا مستواه بسرعة في تشكيلة أكثر انسجاماً، محققاً أفضل موسم له مع يونايتد حيث سجل 16 مساهمة تهديفية في الدوري الإنجليزي مقارنة بستة فقط تحت قيادة مورينيو. بعد تألقه في كأس العالم 2018 مع فرنسا، حيث سجل في النهائي الذي فازت فيه فرنسا على كرواتيا في موسكو، لم يكن مفاجئاً أن يستعيد بوغبا بريقه مع القميص الأحمر. لكن تألقه لم يدم طويلاً. رغم إشاراته إلى احتمال الرحيل في صيف 2019 وسط شائعات ارتباطه بريال مدريد، بقي في أولد ترافورد. لكن موسم الإصابات حرمه من الاستمرارية، واستمرت مشاكل اللياقة في موسم 2020–21، حيث سجل ستة أهداف فقط في جميع المسابقات. كان موسمه الأخير مع يونايتد مخيباً أيضاً، حيث سجل هدفاً وحيداً في 27 مباراة.

تراجع بوغبا المستمر

عاد بوغبا إلى يوفنتوس في 2022، وكانت إدارة يونايتد أكثر استعداداً للسماح له بالرحيل مجاناً، إذ لم يعد مستواه يبرر راتبه الضخم. بدا أن العودة إلى تورينو ستكون الحل الأمثل بعد مواسم محبطة في مانشستر. لكن عودته تحولت إلى كارثة، إذ تعرض لإصابة في الركبة بعد أسبوعين فقط من العودة، مما أبعده عن الملاعب لأشهر عدة. تميز موسم 2022–23 بتوقفات متكررة بسبب الإصابات، حيث شارك في 10 مباريات فقط. وتدهورت الأمور أكثر في سبتمبر 2023، بعد فشل اختبار المنشطات، مما أدى إلى إيقافه مؤقتاً عن اللعب والتدريب مع الفريق، ثم فرضت عليه عقوبة إيقاف لمدة أربع سنوات في فبراير التالي. رغم تقليص العقوبة إلى 18 شهراً بعد الاستئناف، لم يعد بوغبا إلى الملاعب إلا في أوائل 2025، حين تم فسخ عقده مع يوفنتوس. في يونيو من نفس العام، قرر موناكو المخاطرة بالتعاقد معه، مستفيداً من القيمة التسويقية للاعب، لكن الإصابات المتكررة حدت من مشاركاته، مما جعل الصفقة فاشلة بالنسبة للنادي الفرنسي.

مستقبل بوغبا المحتمل

عندما يتم إنهاء عقد بوغبا رسمياً، سيكون حراً في التفاوض مع أندية أخرى للانتقال مجاناً للمرة الرابعة في مسيرته. من غير المرجح أن يجد عروضاً من أوروبا، ويبدو أن وجهته القادمة ستكون خارج القارة. الدوري الأمريكي للمحترفين يبدو الخيار الأرجح، حيث ارتبط بوغبا سابقاً بنادي إنتر ميامي. قد تثير أندية أخرى اهتمامها بالتعاقد مع نجم بارز، رغم أنه حالياً يعاني من إصابة في أوتار الركبة تعرض لها في فترة الإعداد. إذا قرر بوغبا مواصلة مسيرته رغم سلسلة الإخفاقات، فقد يوفر الدوري الأمريكي أو الدوري السعودي فرصة لاستعادة لياقته ومستواه دون الضغط الكبير على جسده. كما ستكون هناك دوافع مالية لأي انتقال من هذا النوع. على أي حال، هذا المسار بعيد عن التوقعات التي كانت تحيط به قبل عقد من الزمن، ويصعب النظر إلى مسيرته إلا كفرصة ضائعة في كثير من جوانبها.

 

تابع اخر اخبار كرة القدم والتحليلات

الحصرية

عبر