
تتجدد كل أربع سنوات الإثارة والمفاجآت في كأس العالم لكرة القدم، حيث تتحول أنظار الملايين حول العالم إلى عرس كروي عالمي يتناول دراما وأحداثا لا تُنسى. وكثيراً ما نسمع أن هذا المونديال هو “الأفضل في الذاكرة الحديثة” وهذا ما تكرره نسخة 2026 التي تشهد لحظات لا تصدق وصوراً بقيت محفورة في أذهان عشاق الساحرة المستديرة.
منذ انطلاق البطولة في ثلاث دول مستضيفة، مروراً بنهاية المباراة الأخيرة في مرحلة المجموعات التي جمعت الجزائر والنمسا، وحتى الآن، قدم هذا المونديال عرضاً كروياً مبهراً لا يتوقف عن إسعاد الجماهير. ومع اقتراب مرحلة خروج المغلوب، يرتقب الجميع حدثاً أعظم من مجرد تحديد هوية البطل الذي سيمسك بالكأس في 19 يوليو.
الأمر الملفت هذا العام هو سباق الحذاء الذهبي، حيث يبدو أنه الأشد تنافساً في تاريخ كأس العالم. ففي العادة نبدأ الحديث عن هذه الجائزة من خلال نجم الأرجنتين ليونيل ميسي، الذي أصبح السبت الماضي في دالاس أول لاعب ينجح في التسجيل في سبع مباريات متتالية في كأس العالم، ويتصدر قائمة الهدافين هذا الموسم بستة أهداف خلال ثلاث مباريات في دور المجموعات.
تسجيل ميسي بستة أهداف في ثلاث مباريات فقط يجعله إما الهداف الأول أو في المركز الأول مع آخرين في 12 نسخة ماضية من كأس العالم. الأمر المذهل أن هذا اللاعب المخضرم البالغ من العمر 39 عاماً لا يزال يُظهر مستوىً متقدماً، ليُحطم الأرقام القياسية ويثبت جدارته كأفضل هداف في تاريخ البطولة.
بالنسبة لملايين مشجعي الأرجنتين الذين يرتدون قميصه رقم 10 في الولايات المتحدة، يبدو أن مسار المنتخب في البطولة في متناول اليد للوصول إلى النهائي مجدداً، مما يعني فرصاً أوسع أمام ميسي لتسجيل المزيد من الأهداف. ومن المثير للاهتمام أن جدول مباريات الأرجنتين لا يتطلب مواجهة أي فريق من المصنفين في المراكز العشرة الأولى على تصنيف الفيفا قبل الدور نصف النهائي، وينتظر أن يستغلوا الأخطاء الدفاعية التي ظهرت في منتخبات مثل البرازيل والنرويج والمكسيك وإنجلترا.
كذلك، سيخوض ميسي دور الـ32 مع الأرجنتين ضد منتخب كابو فيردي في ميامي، ثم ربما يواجه الفائز من مباراة أستراليا ومصر في أتلانتا، ما يعني ظروف لعب داخل ملعب مغلق خالية من تأثير المناخ الرطب والحار. استمرار الأرجنتين في البطولة قد يُتيح لميسي فرصة لمعادلة أو حتى تجاوز رقم جرْد مولر المسجل بـ10 أهداف في مونديال 1970، وربما يقترب من كسر الرقم القياسي لجست فونتين المسجل بـ13 هدفاً في نسخة 1958.
رغم التألق الباهر لميسي، فإن هذه المنافسة على جائزة الحذاء ليست مقتصرة عليه وحده. فقد قدم كبار نجوم العالم أداءً قوياً هذا العام، حيث سجل كيليان مبابي لفرنسا أربعة أهداف ويبدو أنه يُلاحق ميسي في سباق الأرقام، مع فرصة كبيرة لتجاوز سجل أهدافه في نسخة 2022 والتي وصلت إلى ثمانية أهداف.
كما يشارك زميله في المنتخب الفرنسي، الحائز على جائزة الكرة الذهبية مؤخراً، عثمان ديمبلي، الذي بدأ بدايات متواضعة أمام السنغال لكنه استعاد تألقه بتسجيل هدف ضد العراق وفرض نفسه بهاتريك في مباراة النرويج خلال أقل من نصف ساعة لعب. استمرار هذا الأداء القوي قد يضيف له المزيد من الجوائز الفردية.
ولا تقل قوة المنافسة عن ذلك، إذ يتساوى مع مبابي وديمبلي على أربعة أهداف في كأس العالم اللاعبان فينيسيوس جونيور ونجم النرويج إيرلينج هالاند، وهما من أخطر المهاجمين في العالم حالياً. ويرجح أن يلتقيا في 5 يوليو في مواجهة حاسمة، من سيفوز فيها قد يكون منافساً قوياً على جائزة الهداف.
ويتواجد أيضاً المهاجم الإنجليزي هاري كين بثلاثة أهداف، وهو صانع الأهداف الأفضل منذ بداية الموسم الحالي برصيد 70 هدفاً في 60 مباراة مع بايرن ميونيخ وإنجلترا في موسم 2025-2026. إنكلترا لديها فرصة جيدة لتحقيق مسيرة ناجحة في البطولة، ومن المحتمل جداً أن تحقق مواجهة مرتقبة مع الأرجنتين في نصف النهائي، مما يجعله لقاءً يحمل في طياته أكثر من مجرد بطاقة إلى نيويورك.
بالإضافة إلى النجوم الأكبر، هناك أسماء قد تكون مفاجآت للمتابعين مثل دينيز أونداف من ألمانيا وبرينان برباي من هولندا وماتيوس كونها من البرازيل وجوناثان ديفيد من كندا وميكيل أويارزابال من إسبانيا. هؤلاء اللاعبون يضيفون إلى السباق كثافة وجودة عالية على المستويين الكمي والنوعي، كما أن الشاب الإسباني لامين يمال قد يترك بصمته لاحقاً بعد ما أظهره في دقائق ظهوره القليلة مع منتخب إسبانيا.
لا ينقص هذا السباق الحماسي بريق نجوم مثل توماس مولر أو دافور شوكر الذين فازوا بالحذاء الذهبي في نسخ سابقة، حيث يختلف هذا العام تماماً ويعد من أروع المواسم في تاريخ الجائزة.
إن مونديال 2026 ليس فقط مناسبة للاحتفال بكرة القدم، بل هو حدث تاريخي يُروى لأجيال قادمة عن معركة لا مثيل لها بين أعظم هدافي اللعبة، حيث التنافس قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة. مهما كانت نتائج النهائيات الشهر المقبل، فإن وصف سمات هذا السباق على جائزة الحذاء الذهبي بأنه الأعظم هو إقرار بالقيمة الحقيقية لهذا الموسم الرياضي الاستثنائي.