
في مدينة أرلينغتون بولاية تكساس، وبعد أسابيع قليلة من انتهاء نهائي كأس العالم في نيوجيرسي، ستثار نقاشات عديدة حول الإرث الذي سيتركه مونديال 2026. هذا النقاش لن يتركز على الملاعب التي استُخدمت في البطولة، والتي كانت موجودة منذ زمن بعيد قبل أن تُمنح أمريكا الشمالية شرف استضافتها، ولن يشمل أيضاً الفيفا التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب أسعار التذاكر المرتفعة التي حرمت الجماهير العادية من متابعة المباريات، كما لن يتطرق إلى الحكومات الثلاث المستضيفة في ظل الأجواء السياسية المشحونة.
بعد فوز النرويج المتأخر 2-1 على ساحل العاج يوم الثلاثاء، بات من المهم تسليط الضوء على جانب أكثر إثارة يتعلق بالإرث الذي قد يتركه صيف 2026 على المستويين داخل وخارج الملعب. هل سيكون هذا المونديال هو الذي يدفع بعض الشباب الأمريكيين لاختيار كرة القدم “فوتبول” كطريق نحو النجومية بدلاً من كرة القدم الأمريكية “فوتبول”؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما مدى تأثير إرلينغ هالاند نفسه على جيل قادم قد يظهر مهاجماً قوياً يرتدي القميص الأحمر والأبيض والأزرق؟
إن هذا التساؤل بات مشروعاً بعد أن خطف هالاند، مهاجم مانشستر سيتي، الأنظار بتسجيله هدف الفوز في الدقيقة 85، ليقود النرويج إلى أول انتصار لها في دور خروج المغلوب بكأس العالم، مما يؤهل الفريق لمواجهة البرازيل في دور الـ16. ولأن هذا الإنجاز تحقق في ملعب فريق دالاس كاوبويز الأمريكي، الفريق الذي يختاره الأمريكيون كفريقهم المفضل، فإن ذلك يعزز مكانة هالاند ويثير التساؤل عما إذا كان هناك طفل صغير في المرحلة الابتدائية يشاهد المباراة ويتخيل نفسه يختار كرة القدم بدلاً من مسيرة قصيرة ومؤلمة كلاعب في دوري كرة القدم الأمريكية.
كيف لا يعشق المرء رؤية لاعب طويل القامة، يبلغ طوله 6 أقدام و4 إنشات، بشعر أشقر يركض بسرعة البرق نحو المرمى ويهز الشباك وسط تصفيق حار من الجماهير؟ ربما إذا بدأ هؤلاء الأطفال في التخلي عن دروع كرة القدم الأمريكية والعمل على تحسين مهاراتهم في كرة القدم، قد نرى نسخة مشابهة من هالاند في المستقبل.
وصف ستالي سولباكن، مدرب النرويج، هالاند بأنه “أفضل هداف في العالم بلا شك”، مضيفاً أن وجوده في الفريق يمنح اللاعبين شعوراً بالهدوء والثقة. وأشار إلى أن تسجيل هالاند خمسة أهداف في ثلاث مباريات بكأس العالم، لفريق صغير مثل النرويج، هو أمر لم يكن يتوقعه حتى هو نفسه.
من جانبه، قال زميله مارتن أوديغارد، الذي صنع هدف أنطونيو نوسا الرائع في الدقيقة 39، إن هالاند “يسجل الأهداف في كل مباراة تقريباً، ومن الرائع أن يكون معنا في الفريق، ونحن محظوظون بوجوده، وكل ما علينا فعله هو منحه أكبر عدد ممكن من الفرص”.
يُعد هالاند بالفعل نجماً عالمياً يحقق ملايين الدولارات داخل وخارج الملعب، ويكسب محبة حتى غير عشاق كرة القدم بسبب شخصيته المرحة على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أنه لا يركض لمسافات طويلة أو يضغط بقوة كما يفعل بعض اللاعبين، إلا أن حضوره على أرض الملعب يجذب الأنظار، بما في ذلك مدافعي الخصم، حيث يتحرك بذكاء بحثاً عن أي فرصة للتسجيل.
في مواجهة ساحل العاج، لم يحظ هالاند بأفضل التمريرات ولم يستغل كل لمسة بشكل مثالي، لكنه ظهر في اللحظة الحاسمة عندما استلم تمريرة متقنة من أوسكار بوب إلى باتريك بيرج على الجهة اليمنى قبل أربع دقائق من نهاية الوقت الأصلي، ليعيد بيرج الكرة عرضية إلى هالاند الذي كان في مكان مفتوح تماماً أمام المرمى.
الجماهير النرويجية التي شكلت الغالبية العظمى من الـ69,665 متفرجاً في الملعب، لم تفاجأ بالهدف، بل احتفلت به وكأنها كانت متوقعة منذ وقت طويل. كان هذا الهدف رقم 60 لهالاند مع منتخب بلاده، وهو أسرع لاعب يصل إلى هذا الرقم في التاريخ، كما أنه سجل في 25 مباراة من آخر 13 مباراة تنافسية للنرويج، ليصبح ثالث لاعب فقط يسجل في أول ثلاث مباريات له في كأس العالم.
نجاح هالاند في رفع مستوى منتخب النرويج إلى آفاق غير مسبوقة بعد غياب طويل عن الأضواء الدولية، يثير التساؤل حول إمكانية أن يلهم هذا الأداء أجيالاً جديدة من اللاعبين الذين قد يحاولون تقليده في المستقبل. كرة القدم لم تكن يوماً تعتمد فقط على البنية الجسدية، فمثلاً ليونيل ميسي لم يكن ليصبح سوى لاعب صغير الحجم في كرة القدم الأمريكية لو نشأ في تكساس، لكن وجود لاعب ضخم مثل هالاند يضيف بعداً جديداً للعبة.
من الممكن أن تستضيف الولايات المتحدة البطولة مرة أخرى في عام 2038 وفقاً للوائح الفيفا الحالية، مما يعني أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً قد يرون في هالاند قدوة لهم يحاولون السير على خطاه. وإذا قرر بعض هؤلاء الأطفال استبدال الكرة البيضاوية المستطيلة بكرة القدم الدائرية، فقد يكون لمونديال 2026 في أمريكا تأثير أكبر في تحقيق حلم الفوز بكأس العالم للمنتخب الأمريكي.
في النهاية، قد يكون هذا الإرث هو الأهم الذي سيناقش بعد سنوات من الآن، حيث يتجاوز مجرد الملاعب أو التنظيمات أو حتى النتائج، ليصل إلى تأثير حقيقي على مستقبل كرة القدم في الولايات المتحدة والعالم.