
في عالم كرة القدم، كما هناك أساطير خالدة في تاريخ كأس العالم، هناك أيضاً تمائم لا تُنسى، ويأتي سترايكر، الكلب الآلي، في طليعة هذه الرموز التي ارتبطت بأكبر حدث كروي على وجه الأرض.
في صيف عام 1994، عادت أنظار العالم إلى الولايات المتحدة، حيث أقيمت النسخة الخامسة عشرة من كأس العالم لكرة القدم. في ذلك الوقت، كان بيل كلينتون رئيساً للولايات المتحدة، وفيلم “فورست غامب” يحقق نجاحاً كبيراً في دور السينما، بينما ظهر كلب يرتدي قميص المنتخب الأمريكي للرجال ليصبح جزءاً من الثقافة الشعبية الأمريكية.
بدأ سترايكر كتميمة رسمية لكأس العالم 1994، لكنه سرعان ما تجاوز هذا الدور ليصبح أحد أبرز رموز البطولة. فقد ظهر في الإعلانات التجارية وحملات التسويق، وامتلأت الأسواق بمنتجات وألعاب أطفال تحمل صورته، ليجذب قلوب حتى أولئك الذين لم يكونوا من عشاق كرة القدم في الولايات المتحدة.
ورغم أن البرازيل توجت بلقب البطولة بعد فوزها على إيطاليا بركلات الترجيح لتحصد رابع ألقابها في كأس العالم، إلا أن سترايكر كان الفائز الحقيقي في تلك النسخة، رغم أنه لم يلمس الكرة على أرض الملعب.
لطالما كانت التمائم جزءاً أساسياً من الرياضة، خاصة في الولايات المتحدة، حتى بات من الصعب تخيل البطولات الكبرى بدونها. ومع ذلك، كان هناك دائماً بداية لكل شيء، حيث كان “ويلي” الأسد أول تميمة رسمية لكأس العالم عام 1966 في إنجلترا، مرتدياً قميصاً يحمل علم المملكة المتحدة، ليكون وجه البطولة التي استضافتها وفازت بها إنجلترا.
ورغم ريادة “ويلي”، إلا أن التمائم التي تلته لم تكن جميعها من الحيوانات، بل تنوعت بين شخصيات مختلفة. ففي مونديال 1974 بألمانيا الغربية، ظهرت شخصيتا “تيب” و”تاب” وهما طفلان صغيران. أما في إسبانيا 1982، فقد كانت التميمة “نارانخيتو”، وهي برتقالة ناطقة. وفي المكسيك 1986، ظهرت تميمة “بيكي” على شكل فلفل حار، بينما خرجت إيطاليا عن المألوف عام 1990 بتميمة “تشيرو”، وهي شخصية كرتونية على هيئة عصا تلعب كرة القدم.
لكن مع قدوم سترايكر في 1994، عاد الحيوان ليكون رمز البطولة لأول مرة منذ 28 عاماً، ليكسر بذلك النمط السائد ويعيد الحيوية إلى فكرة التمائم الحيوانية.
عند اختيار تميمة كأس العالم 1994، أُعطي القرار للجمهور الأمريكي، حيث أتيحت لهم فرصة التصويت لاختيار الشخصية المفضلة، فوقع الاختيار على سترايكر.
ولم يكن فوزه مفاجئاً؛ فتصميمه الذي أبدعته شركة “وارنر براذرز أنيميشن” أظهره بقميص أحمر وأبيض يحمل شعار USA 94 على الصدر، وسروال أزرق، وجوارب حمراء وبيضاء، ليجسد بذلك الروح الوطنية الأمريكية. كما أن وجهه الودود وشكله الكرتوني جعله محبوباً لدى الكبار والصغار على حد سواء.
لقد كان الأمر بمثابة هدف سهل لشركة “وارنر براذرز” والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ولم يخطئا في الرهان.
كان الهدف الأساسي للفيفا هو تقديم تميمة محببة وسهلة التذكر، في ظل مشاركة 24 منتخباً في البطولة التي أقيمت على الأراضي الأمريكية. لكن سترايكر تجاوز هذا الهدف ليصبح ضيف الشرف الدائم في كل مباراة.
أطلق عليه لقب “جرو كأس العالم”، وظهر في إعلانات تلفزيونية يستعرض مهاراته في التحكم بالكرة على أنفه الطويل، تماماً كما يفعل اللاعبون المحترفون على أرضية الملعب. كما انتشرت صوره على مختلف المنتجات التذكارية من قمصان وأكواب وألعاب ومغناطيسات ودبابيس، بالإضافة إلى دمى محشوة تحمل صورته، والتي لا تزال حتى اليوم تُباع في مواقع البيع المستعملة كقطع نادرة.
وخلال المباريات، كان أشخاص يرتدون زي سترايكر الثقيل المصنوع من الصوف يظهرون وسط الجماهير، يلتقطون الصور مع المشجعين تحت حرارة الصيف الأمريكي، بينما تدوي أصوات المباريات في الخلفية.
لقد أصبح سترايكر رمزاً يتجاوز كونه مجرد تميمة، ليعبر عن البطولة والولايات المتحدة وكرة القدم بشكل عام.
بعد مرور 32 عاماً على ظهوره في مونديال 1994، لا تزال بصمات سترايكر واضحة في أكبر بطولات كرة القدم. فقد أصبح اختيار الحيوانات تقليداً متبعاً في تصميم تمائم كأس العالم بعد النجاح الكبير الذي حققه سترايكر.
في مونديال 2006 بألمانيا، تصدر المشهد الأسد “غوليو السادس”، ثم جاء “زاكومي” الفهد في جنوب أفريقيا 2010، وفي روسيا 2018 ظهر الذئب “زابيفاكا”.
وفي نسخة 2026، كشفت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عن ثلاث تمائم، جميعها حيوانات، لتمثل البطولة الأكبر في التاريخ بمشاركة 48 منتخباً لأول مرة. فقد جاء “مابل” الموظ ليعبر عن كندا، و”زايو” النمر ليجسد المكسيك، و”كلتش” النسر الأصلع ليكون رمز الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، قوبلت هذه الشخصيات الثلاث بردود فعل متباينة، حيث رأى كثير من المشجعين أنها متوقعة للغاية وتفتقر إلى الإبداع المنتظر من بطولة بهذا الحجم.
ومن اللافت أن سترايكر لم يواجه نفس الانتقادات، رغم بساطة تصميمه، فقد كان ظاهرة فريدة في بلد كان لا يزال في بدايات احتضانه لكرة القدم، ليبقى رمزاً في ذاكرة الجماهير حتى اليوم.
للمزيد من أخبار وتحليلات كأس العالم، تابعوا تغطيتنا المستمرة على 90Match.