
يعتبر لاعب الوسط الدفاعي من الأدوار التي لا تحظى عادة بالاهتمام الإعلامي الكبير، فهم ليسوا من يسجلون الأهداف الرائعة أو يقومون بتصديات حاسمة على خط المرمى، لكنهم يشكلون الأساس الذي تُبنى عليه الفرق العظيمة. سواء في حماية خط الدفاع، أو التحكم في إيقاع اللعب، أو كسر هجمات الخصم، أو بدء الهجمات من العمق، يتطلب هذا الدور مزيجاً نادراً من الذكاء والانضباط واللياقة البدنية والمهارة الفنية. على مدار حقبة الدوري الإنجليزي الممتاز، شهدت البطولة وجود بعض من أفضل لاعبي الوسط الدفاعي في التاريخ. في هذا التقرير، تصنف مجلة Sports Illustrated أفضل 20 لاعب وسط دفاعي في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.
تم الاعتماد في التصنيف على عدة عوامل رئيسية، منها: مستوى اللاعب في ذروته، ومدى استمراريته في الأداء العالي طوال مسيرته في الدوري، بالإضافة إلى الجودة الفنية، والذكاء التكتيكي، والتأثير الدفاعي، والقيادة، والنفوذ داخل الملعب. كما تم الأخذ في الاعتبار الإرث الذي تركه اللاعب من حيث الألقاب، والجوائز الفردية، واللحظات الأيقونية، والتأثير الدائم على ناديه والدوري بشكل عام.
قضى مارك نوبل معظم مسيرته مع نادي وست هام يونايتد. رغم أنه لم يحصد ألقاباً كبرى أو أرقاماً لافتة، إلا أنه كان رمزاً للوفاء والالتزام مع الفريق. كان نوبل لاعب وسط موثوق وقائد طبيعي، ساهم في قيادة النادي خلال فترات صعبة مثل معارك الهبوط والأزمات خارج الملعب، فضلاً عن تحقيقه مراكز متقدمة في الدوري. لم يكن نوبل دائماً في دائرة الأضواء، لكن دوره في استقرار وتقدم وست هام على مدار ما يقرب من عقدين لا يمكن التقليل من أهميته.
كانت تجربة كاسيميرو في الدوري الإنجليزي قصيرة نسبياً، وشهدت بعض اللحظات الصعبة. خلال فترة صعبة لفريق مانشستر يونايتد، اقترح جيمي كاراجر أن البرازيلي يجب أن “يترك كرة القدم قبل أن تتركه”. لكن هذا الرأي يغفل مدى تأثير كاسيميرو في أولد ترافورد. رغم أن الفريق لم يكن في أفضل حالاته، قدم كاسيميرو أداءات فردية قوية. انضم من ريال مدريد، وأثبت أنه لا يتراجع مع التقدم في العمر، بل أضاف بعداً جديداً لأدائه، حيث جمع بين مهاراته الدفاعية العالمية وقدرته على التمرير مع تهديد هجومي غير متوقع. سجل 26 هدفاً خلال أربعة مواسم في إنجلترا، وهو رقم مميز للاعب دوره الأساسي الدفاع، كما ساهم بقيادته وروحه في بداية تحسن نتائج الفريق.
لا يزال مويسيس كايسيدو في بداية مسيرته في الدوري الإنجليزي، لكن من الواضح أنه من بين أفضل لاعبي الوسط الدفاعي في عصر ما بعد 1992. يتميز بصلابته في التدخلات، وقدرته على تغطية مساحات واسعة، ومهاراته الفنية العالية. كما يمتلك القدرة على تسجيل أهداف رائعة من مسافات بعيدة، مما يجعله لاعباً يخشاه المنافسون. ومع ذلك، يحتاج كايسيدو إلى إضافة المزيد من الألقاب الكبرى ليُعتبر من أعظم اللاعبين في التاريخ.
لم يكن جاريث باري من الأسماء اللامعة، لكنه حقق لقب الدوري الإنجليزي واحتل المركز الثاني في قائمة أكثر اللاعبين مشاركة في الدوري برصيد 653 مباراة. على مدار ما يقرب من عشرين عاماً، كان باري لاعب وسط دفاعي من الطراز الرفيع، يعتمد على الذكاء، والتمركز الجيد، والهدوء في اللعب بدلاً من الاعتماد على التدخلات العنيفة أو اللحظات المثيرة. كان بارعاً في قراءة مجريات اللعب وكسر هجمات الخصم، وكان دوره أكثر تقديراً من قبل من يفهمون أهمية مركزه.
كان نيمانيا ماتيتش لاعب وسط دفاعي يتمتع بتأثير يتجاوز الأرقام. تميز بقوته، وانضباطه الدفاعي، وهدوءه في الاستحواذ على الكرة، ليصبح من أكثر لاعبي الوسط الدفاعي موثوقية في الدوري. بعد فترة ناجحة مع بنفيكا، عاد إلى تشيلسي في 2014 تحت قيادة جوزيه مورينيو، الذي جعله جزءاً أساسياً من خط الوسط، مما سمح للاعبين الهجوميين مثل سيسك فابريغاس بالتركيز على الإبداع. ساهم ماتيتش في فوز تشيلسي بلقب الدوري في 2014-15 و2016-17، وأعاد مورينيو ضمه لاحقاً إلى مانشستر يونايتد كأحد قادة خط الوسط.
لم يكن خافيير ماسكيرانو لاعباً أنيقاً في أسلوبه، لكنه كان قوياً ومقاتلاً لا يهاب المواجهات. كان يجمع بين العنف والانضباط، مما جعله لاعب وسط دفاعي فعال للغاية. كان لا يترك للمنافسين وقتاً أو مساحة، وكان خصماً صعباً في وسط الملعب. لعب ماسكيرانو لفريقي وست هام يونايتد وليفربول، وكان مثالاً للاعب الوسط الدفاعي التقليدي الذي يعتمد على القوة البدنية في السيطرة على وسط الملعب.
لم تستمر فترة تألق فابينيو طويلاً مثل بعض اللاعبين الآخرين، لكنه في ذروته كان من أفضل لاعبي الوسط الدفاعي في العالم. رغم جسده النحيل، كان لاعباً قوياً وذكيًا، يجيد استعادة الكرة وتدوير اللعب بسرعة، مما جعله مثالياً لنظام يورغن كلوب عالي الكثافة. كان يتمتع بوعي تكتيكي استثنائي، حيث أطلق عليه مساعد مدرب ليفربول السابق بيبين ليندرز لقب “المنارة” لأنه كان يكتشف المشاكل قبل حدوثها. كان فابينيو عنصراً حيوياً في وسط ليفربول، وساهم بشكل كبير في تتويج الفريق بلقب الدوري الممتاز عام 2020.
في موسم 2003-04 الذي حقق فيه أرسنال لقب الدوري دون هزيمة، كان جيلبرتو سيلفا لاعباً أساسياً رغم قلة الأضواء التي حظي بها مقارنة بزملائه مثل هنري وبيركامب وبيريس. كان يُعرف بـ”الجدار الخفي” بسبب دوره في حماية الدفاع بهدوء، وكسر هجمات الخصم باستخدام موقعه وذكائه أكثر من الاعتماد على التدخلات العنيفة. لم يكن يطلب الانتباه، لكنه كان أساسياً في توفير الاستقرار الذي سمح لهجوم أرسنال بالتألق، وبدونه ربما لم يتحقق ذلك الموسم الأسطوري.
ما يميز موسى ديمبيلي هو صعوبة الاستحواذ على الكرة منه، حتى نغولو كانتي، الذي يُعتبر أعظم لاعب استعادة للكرة في تاريخ الدوري، كان يجد صعوبة في مجاراته. كان ديمبيلي لاعباً قوياً ويمتلك تقنية عالية، حيث يجمع بين السيطرة القوية على الكرة، والتوازن، والمهارة في المراوغة، مما جعله شبه مستحيل الإزاحة. كان قادراً على اختراق خطوط الوسط وتحريك الهجمات، لكنه لم يحصد الكثير من الألقاب واعتزل مبكراً في عمر 34 عاماً. ومع ذلك، يشهد له زملاؤه السابقون بأنه أفضل لاعب شاركوا معه في الملعب.
بعد تتويجه بلقب الدوري مع أرسنال، أصبح ديكلان رايس من أبرز لاعبي الوسط الدفاعي في العصر الحديث. رغم بعض الانتقادات على أسلوب تمريره المحافظ، يقدم رايس حزمة متكاملة من المهارات، فهو لاعب استعادة كرة ممتاز، وقادر على قيادة الفريق بالكرة، ويغطي مساحات واسعة باستمرار. نادراً ما يهدأ خلال المباراة، ويظهر جهداً ومواظبة عالية. مع تطور أدائه ليشمل تسجيل الأهداف وقيادة الفريق، يمتلك رايس كل مقومات الانضمام إلى صفوة لاعبي الوسط الدفاعي في تاريخ الدوري، ويبقى التحدي في الحفاظ على هذا المستوى لفترة طويلة.
عندما تولى تشابي ألونسو تدريب تشيلسي في 2026، كان هناك مزاح بين الجماهير بأنه لا يزال أفضل لاعب تمرير في النادي، وهو أمر لم يكن بعيداً عن الحقيقة. تميز ألونسو بمدى تمرير واسع، حيث كان يجيد التمريرات القصيرة والطويلة، والتمريرات العرضية، والكرات الموزونة بدقة عالية. قلما تجد لاعب وسط دفاعي في تاريخ الدوري يمتلك هذا القدر من الرؤية والمهارة في التمرير من العمق كما فعل ألونسو.
كان فيرناندينيو حجر الأساس في وسط مانشستر سيتي لما يقرب من عشر سنوات، وساهم بشكل كبير في خمسة ألقاب للدوري الإنجليزي. تميز البرازيلي بمزيج مثالي من الانضباط الدفاعي، والذكاء، والطاقة. كان لاعب استعادة كرة لا يكل، وكان بارعاً في تطوير اللعب من العمق. تطور أداؤه بشكل ملحوظ تحت قيادة بيب جوارديولا، ليصبح عنصراً أساسياً في أسلوب سيتي الذي يعتمد على الاستحواذ.
كان مايكل إيسيان معروفاً بلقب “البيسون” بسبب قوته البدنية الهائلة. كان لا يُوقف عندما ينطلق بالكرة، وساهم بشكل كبير في فوز تشيلسي بلقبين للدوري خلال فترة وجوده. تميز إيسيان بتسديداته القوية من مسافات بعيدة، والتي تركت بصمة لا تُنسى في ذاكرة المشجعين. كان لاعباً قوياً، لا يكل، ومهيمن بدنياً، وهو ما جعله يستحق لقبه.
كان مايكل كارريك اللاعب الذي طالما اعتبره البعض أقل من قيمته الحقيقية، لكنه حصل أخيراً على التقدير الذي يستحقه عندما تم اختياره في فريق الموسم في الدوري الممتاز 2012-13، قبل شهرين من بلوغه 32 عاماً. لم يكن كارريك الأسرع أو الأقوى أو الأكثر عدوانية، لكنه تفوق بذكائه في قراءة اللعب، وتمركزه المثالي، وتمريراته الدقيقة. كان قادراً على كسر هجمات الخصم بهدوء ثم إطلاق هجمات فريقه بسرعة. فاز بخمسة ألقاب للدوري مع مانشستر يونايتد، وكان نموذجاً للاعب وسط دفاعي ذكي.
يُعتبر كلود ماكيليلي أول لاعب وسط دفاعي في تشيلسي من الطراز العالمي، وهو من وضع أسس هذا المركز حتى أُطلق عليه اسمه “دور ماكيليلي”. كان دوره بسيطاً من الناحية النظرية: التمركز العميق، حماية الدفاع، استعادة الكرة، وتحريك اللعب. لكنه كان يتطلب ذكاءً وانضباطاً عالياً، وقد بدا الأمر سهلاً في أدائه. لم يعتمد ماكيليلي على الجري المستمر كما فعل كانتي وإيسيان وكايسيدو، بل تفوق بتمركزه وقراءته المتقدمة للعبة. يُعد من أكثر لاعبي الوسط الدفاعي تأثيراً في تاريخ كرة القدم.
يُعتبر موسم 2013-14 الذي سجّل فيه يايا توريه 20 هدفاً في الدوري، من أعظم المواسم الفردية التي قدمها لاعب وسط في تاريخ الدوري الإنجليزي. قاد مانشستر سيتي للفوز باللقب وكان مسيطراً في المباريات بطريقة نادرة. لم يقتصر تألقه على ذلك الموسم فقط، بل كان في ذروته لاعباً لا يُوقف، يجمع بين القوة، والمهارة، والهدوء. كان يتخطى المنافسين بمراوغات سلسة، ويرى تمريرات لا يراها الآخرون، ويتحكم في مجريات اللعب من وسط الملعب. عندما كان يايا في أفضل حالاته، كان من الصعب على بقية الفرق مجاراته.
اشتهر نغولو كانتي بلقب “بطارية دوراسيل” خلال فترة لعبه في الدوري الإنجليزي، لأنه لم يتوقف عن الركض أبداً. لا يوجد لاعب في تاريخ الدوري غطى مساحات كبيرة مثل كانتي، حيث كان يلاحق الكرات، ويعترض التمريرات، ويغوص في التدخلات، ويزعج المنافسين بلا كلل. ما يميز كانتي هو سهولة أدائه رغم الجهد الكبير، حيث كان يلعب دائماً بابتسامة. فاز بلقب الدوري مرتين متتاليتين مع ناديين مختلفين، ويُعتبر من أعظم لاعبي الوسط الدفاعي وأكثرهم محبة من الجماهير.
كان باتريك فييرا لاعباً لا يُوقف عندما يكون في أفضل حالاته. تخيل قوة يايا توريه وسرعته وقدرته على الانطلاق، مع زيادة في العدوانية والصلابة التنافسية. كان فييرا لاعباً يزرع الخوف في نفوس المنافسين قبل انطلاق المباراة. رغم هيمنته البدنية، كان يمتلك مهارات فنية عالية تمكنه من التحكم في اللعب بالكرة. هذا المزيج جعله من أعظم لاعبي الوسط في تاريخ الدوري، وحصد لقب الدوري ثلاث مرات.
كان روي كين، منافس باتريك فييرا اللدود، لاعب وسط دفاعي لا يلين. كان شرساً في التدخلات، عدوانياً بلا هوادة، ولا يتراجع أبداً. بنى قائد مانشستر يونايتد سمعة مخيفة طوال مسيرته، وتُعد تدخلته الشهيرة على ألف-إنغه هالاند من أشهر لحظات الدوري. لكن كين لم يكن مجرد لاعب عنيف، بل كان لاعباً ذكياً في التمرير، قادر على دفع فريقه للأمام، وسجل أهدافاً في شبابه. كان قائداً بالفطرة، يمتلك قدرة فريدة على تحفيز زملائه، والسيطرة على المباريات، وقيادة الفريق بقوة إرادته.
هل يُعد رودري أفضل لاعب وسط دفاعي في تاريخ الدوري الإنجليزي؟ الحائز على جائزة الكرة الذهبية 2024، والذي قاد إسبانيا للفوز في يورو 2024 وكأس العالم 2026، يمتلك كل الصفات التي يجب أن تتوفر في لاعب وسط دفاعي. يتميز بالقوة، والذكاء، والمهارة الدفاعية العالية، مع تمركز ممتاز وتدخلات حاسمة، ورؤية رائعة، وقدرة فريدة على التحكم في إيقاع المباراة من خلال تمريراته المتقنة والمتقدمة. فاز بأربعة ألقاب للدوري مع مانشستر سيتي، وكان القلب النابض لنظام بيب جوارديولا، حيث نسق بناء الهجمات، وتحكم في الاستحواذ، وربط الدفاع بالهجوم بسلاسة. هل يمكن أن نجد لاعب وسط دفاعي أقرب إلى الكمال منه؟ يبدو الأمر صعباً.