
عندما يتابع عشاق كرة القدم مباريات كأس العالم، فإن أكثر ما ينتظرونه هو مشاهدة الأهداف.
فالأهداف كانت دائماً العملة الأهم في البطولة الأكبر على مستوى المنتخبات، وهي التي صنعت أشهر اللحظات في تاريخ المونديال على مدار أكثر من قرن، سواء عبر التسديدات الصاروخية من خارج المنطقة أو الأهداف الحاسمة في المباريات النهائية.
ومع مشاركة أعظم المهاجمين في تاريخ اللعبة عبر مختلف نسخ البطولة، لم يكن غريباً أن ترتبط الكثير من ألقاب كأس العالم بالمنتخبات التي امتلكت أكثر المهاجمين حسماً أمام المرمى.
ورغم أن الفرنسي جوست فونتين لا يزال يحتفظ بالرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف في نسخة واحدة من كأس العالم بعدما سجل 13 هدفاً في ست مباريات فقط خلال مونديال 1958، فإن مواطنه كيليان مبابي قدم في كأس العالم 2022 أحد أكثر العروض التهديفية فاعلية وإبهاراً في العصر الحديث.
دخل المنتخب الفرنسي بطولة كأس العالم 2022 في قطر وهو حامل اللقب بعد تتويجه بمونديال 2018 في روسيا.
وكان مبابي قد أصبح سادس أصغر لاعب يتوج بكأس العالم عندما قاد فرنسا إلى لقبها الثاني قبل أربع سنوات، بعدما سجل أربعة أهداف في البطولة، بينها هدف في المباراة النهائية أمام كرواتيا.
وبفضل تلك الإنجازات، دخل منتخب “الديوك” نسخة قطر باعتباره أحد أبرز المرشحين للفوز باللقب.
وكان الهدف واضحاً أمام كتيبة المدرب ديدييه ديشامب: أن تصبح فرنسا ثالث منتخب في التاريخ ينجح في الاحتفاظ بكأس العالم.
أقيمت بطولة كأس العالم 2022 في منتصف الموسم الكروي، وكان مبابي يعيش فترة رائعة مع باريس سان جيرمان.
فقد سجل 19 هدفاً قبل توقف المنافسات المحلية والأوروبية بسبب المونديال، وهو ما منحه ثقة كبيرة قبل السفر إلى قطر.
ورغم وجود أسماء هجومية لامعة في المنتخب الفرنسي مثل أنطوان غريزمان وأوليفييه جيرو وعثمان ديمبيلي وكريم بنزيما، فإن البطولة تحولت تدريجياً إلى عرض خاص يحمل توقيع كيليان مبابي.
خاض المنتخب الفرنسي سبع مباريات خلال البطولة وحقق الأرقام التالية:
المباريات الفوز التعادل الخسارة فارق الأهداف
7 5 1 1 +8
بدأت فرنسا رحلة الدفاع عن لقبها بقوة، ولم ينتظر مبابي طويلاً لتسجيل أول أهدافه.
ففي الدقيقة 68 من مواجهة أستراليا، سجل المهاجم الفرنسي هدفاً برأسية مميزة ارتطمت بالقائم قبل أن تسكن الشباك، ليساهم في تأمين انتصار منتخب بلاده في المباراة الافتتاحية.
ورغم أن اللعب الهوائي لا يعد من أبرز نقاط قوته، فإن الهدف أظهر جانباً مختلفاً من إمكاناته التهديفية.
واصل مبابي تألقه في الجولة الثانية أمام الدنمارك.
وجاء هدفه الأول في المباراة بعد انطلاقة من الجهة اليسرى قبل أن يمرر الكرة إلى ثيو هيرنانديز ثم يواصل تقدمه داخل منطقة الجزاء، ليعيد له زميله الكرة ويسجل من مسافة قريبة.
لكن المنتخب الدنماركي عاد سريعاً في النتيجة، قبل أن يظهر مبابي مجدداً في الدقيقة 86.
فبعد عرضية من أنطوان غريزمان، أظهر مهاجم فرنسا حاسة تهديفية استثنائية عندما حول الكرة إلى الشباك بفخذه العلوي عند القائم البعيد، ليمنح منتخب بلاده النقاط الثلاث.
بعد ضمان التأهل إلى دور الـ16، أراح ديشامب نجمه الأول خلال مواجهة تونس التي انتهت بخسارة فرنسا 1-0.
لكن مبابي عاد بقوة في مواجهة بولندا بثمن النهائي، حيث سجل هدفين في الفوز 3-1.
الهدف الأول جاء بعد هجمة مرتدة سريعة، استلم خلالها الكرة داخل منطقة الجزاء قبل أن يوهم الجميع بالتسديد نحو الزاوية البعيدة، ثم يطلق تسديدة قوية في سقف المرمى من الزاوية القريبة.
أما الهدف الثاني فجاء بطريقة مشابهة، لكنه هذه المرة توغل نحو الداخل وأرسل تسديدة مذهلة إلى الزاوية العليا البعيدة.
وبفضل هدفيه أمام بولندا رفع رصيده إلى خمسة أهداف في البطولة.
نجح المنتخب الفرنسي في تجاوز إنجلترا في الدور ربع النهائي، ثم المغرب في نصف النهائي.
ورغم عدم تسجيل مبابي في هاتين المباراتين، فإن فرنسا واصلت طريقها نحو المباراة النهائية.
وهناك كان الموعد مع واحدة من أعظم المباريات في تاريخ كأس العالم.
نهائي أسطوري أمام الأرجنتين
دخلت المباراة النهائية تحت عنوان واضح: ليونيل ميسي ضد كيليان مبابي.
وتحولت المواجهة بالفعل إلى صراع مباشر بين نجمي باريس سان جيرمان على قيادة بلديهما نحو اللقب العالمي.
وكانت فرنسا متأخرة بهدفين دون رد حتى الدقيقة 80، عندما سجل مبابي أول أهدافه في النهائي من ركلة جزاء نفذها بنجاح في شباك إيميليانو مارتينيز.
وبعد دقيقة واحدة فقط، عاد ليسجل هدف التعادل بطريقة استثنائية.
فبعد تمريرة من ماركوس تورام، أطلق مبابي تسديدة مباشرة من لمسة واحدة نحو الزاوية السفلى للمرمى، في هدف وصفه المعلق الشهير بيتر دروري بأنه نتاج “قوة طبيعية مذهلة”.
أجبر هدف مبابي الرائع المباراة على الذهاب إلى الوقت الإضافي.
لكن ميسي سجل مجدداً للأرجنتين، ليضع فرنسا تحت ضغط هائل.
ورغم ذلك رفض المنتخب الفرنسي الاستسلام، وحصل على ركلة جزاء في الدقيقة 118.
وتقدم مبابي مجدداً ليسجل هدفه الثالث في المباراة، فارضاً اللجوء إلى ركلات الترجيح.
وبهذا الإنجاز أصبح ثاني لاعب في التاريخ يسجل “هاتريك” في نهائي كأس العالم بعد الإنجليزي جيف هيرست الذي حقق ذلك في نهائي مونديال 1966.
وخلال ركلات الترجيح سجل مبابي الركلة الأولى لفرنسا بنجاح، لكن كينغسلي كومان وأوريلين تشواميني أهدرا ركلتيهما، بينما سجل لاعبو الأرجنتين أربع ركلات متتالية ليحسموا اللقب العالمي الأول لبلادهم منذ عام 1986.
رغم خسارة النهائي، بقي أداء مبابي واحداً من أكثر العروض الفردية تميزاً في تاريخ البطولة.
فقد أنهى كأس العالم 2022 برصيد ثمانية أهداف، متفوقاً على ليونيل ميسي الذي سجل سبعة أهداف، لينتزع جائزة الحذاء الذهبي للمرة الأولى في مسيرته.
وأظهر النجم الفرنسي جميع الصفات التي تميز أعظم المهاجمين في العالم، من الثقة والقدرة الفنية العالية إلى التمركز المثالي داخل منطقة الجزاء.
كما لعبت سرعته الهائلة وإصراره على الفوز دوراً كبيراً في تحويله إلى قوة هجومية شبه مستحيلة الإيقاف.
بعد الأداء التاريخي الذي قدمه في قطر، يدخل كيليان مبابي بطولة كأس العالم 2026 وهو أكثر تعطشاً من أي وقت مضى للفوز باللقب العالمي.
وبالنسبة للجماهير المحايدة، فإن هذا الحافز الكبير قد يمنحهم فرصة مشاهدة المزيد من اللحظات الاستثنائية من أحد أعظم المهاجمين في جيله، وربما إعادة إنتاج واحدة من أروع العروض التهديفية التي شهدها تاريخ كأس العالم.
تابع اخر اخبار كرة القدم والتحليلات
الحصرية
عبر
www.90match.com