
لم يكن الأداء مثالياً، ولم تكن المباراة خالية من الأخطاء، لكن الأهم بالنسبة لمنتخب إنجلترا كان الخروج بالنقاط الثلاث وافتتاح مشواره في كأس العالم 2026 بانتصار ثمين.
فوز الأسود الثلاثة بنتيجة 4-2 على كرواتيا في دالاس لم يمنحهم فقط بداية مثالية في المجموعة الثانية عشرة، بل جعلهم يتجاوزون أصعب منافسيهم على الورق في دور المجموعات ويقتربون خطوة كبيرة من التأهل إلى الأدوار الإقصائية.
لكن هذا الانتصار لم يأت بسهولة، إذ احتاجت إنجلترا إلى شوط ثانٍ استثنائي لقلب موازين اللقاء بعد 45 دقيقة أولى كشفت الكثير من العيوب والمشكلات في أداء الفريق.
انتهى الشوط الأول بالتعادل 2-2، لكن النتيجة لم تعكس حقيقة ما جرى على أرض الملعب.
كرواتيا بدت الطرف الأكثر خطورة والأكثر قدرة على تهديد المرمى، فيما عانت إنجلترا من افتقار واضح للحلول الهجومية والقدرة على صناعة الفرص من اللعب المفتوح.
وكما حدث كثيراً خلال حقبة غاريث ساوثغيت، اعتمد المنتخب الإنجليزي بشكل كبير على الكرات الثابتة.
البداية جاءت من ركلة جزاء حصل عليها نوني مادويكي بعد تدخل من لوكا مودريتش داخل منطقة الجزاء، ليسجل هاري كين الهدف الأول من المحاولة الثانية بعدما أُعيد تنفيذ الركلة بسبب دخول يوشكو غفارديول منطقة الجزاء مبكراً خلال المحاولة الأولى.
لكن كرواتيا استحقت هدف التعادل الذي سجله مارتن باتورينا بتسديدة رائعة.

اعتمدت فكرة إنجلترا الهجومية على تراجع هاري كين من مركز رأس الحربة وفتح المساحات أمام نوني مادويكي وأنتوني غوردون وجود بيلينغهام للانطلاق خلف الدفاع.
إلا أن الخطة لم تعمل كما أراد الجهاز الفني.
كين لم يتمكن من التأثير بالشكل المطلوب، كما لجأت إنجلترا باستمرار إلى إرسال الكرات الطويلة نحو الأطراف، وهو ما أدى إلى فقدان الكرة بشكل متكرر.
وكان أنتوني غوردون أحد أكثر المتضررين من هذا الأسلوب، حيث لمس الكرة تسع مرات فقط طوال الشوط الأول، في رقم يعكس مدى عزله عن مجريات اللعب.
ورغم ذلك، واصلت إنجلترا الاستفادة من الكرات الثابتة، وعادت للتقدم مجدداً عندما استغل كين ركلة ركنية نفذها ديكلان رايس وسجل برأسية قوية.
ولم يكن هذا الأمر جديداً، إذ إن 14 هدفاً من أصل 29 سجلتها إنجلترا في كأس العالم منذ نسخة 2018 جاءت من الكرات الثابتة بما فيها ركلات الجزاء.
كما أن المنتخب الإنجليزي سجل ستة أهداف من الركنيات خلال تلك الفترة، وهو ضعف ما سجله أي منتخب آخر في البطولة.
ورغم التقدم مجدداً، عادت كرواتيا لتفرض نفسها وسجل بيتار موسا هدف التعادل الثاني قبل نهاية الشوط الأول.
أنهت إنجلترا الشوط الأول بإجمالي أهداف متوقعة بلغ 1.36 هدفاً، لكن 0.96 من هذا الرقم جاءت من الكرات الثابتة فقط.
وفي المقابل استقبل الفريق هدفين في شوط أول واحد، وهو العدد نفسه الذي تلقاه خلال الأشواط الأولى في مبارياته الـ21 السابقة مجتمعة.
وكان واضحاً أن الفريق بحاجة إلى تغيير جذري.

بعد نهاية المباراة كشف هاري كين أن المدرب توماس توخيل طلب من لاعبيه بين الشوطين التحرر هجومياً وعدم الخوف من المخاطرة أو التقدم إلى الأمام حتى لو ترتب على ذلك بعض المخاطر الدفاعية.
وجاء الرد سريعاً على أرض الملعب.
فبعد أقل من دقيقتين على بداية الشوط الثاني، انطلق جود بيلينغهام خلف الدفاع ليسجل الهدف الثالث بعد هجمة جماعية مميزة تضمنت 23 تمريرة متتالية من اللعب المفتوح.
وبهذا الهدف أصبح 57% من أهداف بيلينغهام الدولية مع إنجلترا قد جاءت في البطولات الكبرى، إذ سجل أربعة أهداف من أصل سبعة بقميص المنتخب، وهي أعلى نسبة لأي لاعب إنجليزي سجل خمسة أهداف أو أكثر.
منذ هدف بيلينغهام، بدا أن المباراة اتخذت مساراً مختلفاً تماماً.
إنجلترا أصبحت أكثر سرعة ودقة في التمرير، وتحسنت تحركات اللاعبين بشكل ملحوظ، كما اختفت الكرات الطويلة العشوائية التي كانت تتجاوز خط الوسط بالكامل في الشوط الأول.
وأصبح نمط التمريرات الطويلة أكثر تنظيماً وفعالية مقارنة بما حدث قبل الاستراحة.
هذا التحول انعكس مباشرة على الأداء الهجومي، حيث قدم المنتخب الإنجليزي واحدة من أقوى الفترات الهجومية في البطولة حتى الآن.
أنهت إنجلترا الشوط الثاني بتسع تسديدات على المرمى، وهو أعلى رقم يحققه أي منتخب خلال شوط واحد في كأس العالم 2026 حتى الآن.
وكان الرقم السابق مسجلاً باسم أوروغواي أمام السعودية وفرنسا أمام السنغال بثماني تسديدات على المرمى لكل منهما.
لكن المنتخب الإنجليزي تفوق عليهما رغم أنه واجه منافساً من أعلى المستويات مثل كرواتيا.
ومن أبرز المكاسب أيضاً التأثير الفوري للبدلاء.
فقد دخل ماركوس راشفورد من مقاعد البدلاء ونجح في تسجيل الهدف الرابع بعد تمريرة من البديل الآخر بوكايو ساكا.
وأصبح هذا الهدف ثاني هدف فقط في تاريخ إنجلترا بكأس العالم يتم تسجيله وصناعته بواسطة لاعبين بديلين، بعد هدف جاك غريليش أمام إيران في مونديال 2022.
وهو ما يؤكد حجم الخيارات المتاحة أمام توخيل في هذه البطولة.
وفي الوقت الذي تألقت فيه المنظومة الهجومية، بدا الدفاع أكثر استقراراً أيضاً.
كرواتيا وجدت صعوبة كبيرة في الوصول إلى مرمى إنجلترا خلال الشوط الثاني، ولم تشكل خطورة حقيقية إلا في الدقائق الأخيرة عندما كانت المباراة قد حُسمت عملياً.
لا يمكن التقليل من قيمة تسجيل أربعة أهداف في مباراة بكأس العالم، كما أن هذا الانتصار سيمنح إنجلترا دفعة معنوية كبيرة في رحلة قد تمتد إلى سبع مباريات أخرى إذا أرادت الوصول إلى النهائي.
لكن في الوقت نفسه، سيكون من الضروري أن يدرك المنتخب الإنجليزي أن هذه المباراة كشفت عدداً من العيوب التي قد تُستغل بصورة أكبر أمام منافسين أقوى من كرواتيا في الأدوار المقبلة.
وقال هاري كين بعد المباراة: “لقد كانت مباراة بشوطين مختلفين”.
وربما تختصر هذه العبارة كل شيء.
فإذا أرادت إنجلترا التتويج بكأس العالم، فإن المطلوب ليس فقط تكرار الأداء الرائع الذي قدمته في الشوط الثاني أمام كرواتيا، بل المحافظة على هذا المستوى طوال 90 دقيقة كاملة.
وإذا نجح فريق توماس توخيل في فعل ذلك، فقد يمتلك بالفعل كل المقومات للذهاب حتى النهاية في كأس العالم 2026.