إلغاء الهبوط والصعود يثير احتجاجات ويعمق أزمة كرة القدم المكسيكية بعد مونديال 2026

أزمة كرة القدم المكسيكية بعد كأس العالم 2026: تراجع مستمر رغم الإنجاز التاريخي

شهدت حملة المكسيك في كأس العالم 2026 لحظة واعدة كانت تبدو كفرصة مثالية لبناء مستقبل أفضل لكرة القدم المكسيكية عبر معالجة المشكلات التي تعاني منها. لكن، وبعد أقل من شهر على انتهاء مشوار المكسيك في البطولة، يتضح أن أي أمل في حدوث تغيير إيجابي كان مجرد حلم بعيد المنال.

وصل منتخب المكسيك إلى كأس العالم 2026 بعد أن فشل في تجاوز دور المجموعات في آخر ظهورين له في البطولات الدولية الكبرى، وهما كأس العالم 2022 وكوبا أمريكا 2024. شكلت بداية العقد الحالي واحدة من أسوأ الفترات في تاريخ كرة القدم المكسيكية الحديث، ومع تدهور النتائج، ارتفعت حالة الاستياء بين الجماهير إلى مستويات غير مسبوقة.

جاءت بطولة كأس العالم 2026 لتحدث تحولاً جذرياً. حقق منتخب المكسيك أربعة انتصارات وهزيمة مشرفة أمام إنجلترا، مما أعاد بناء العلاقة المتصدعة مع الجماهير خلال 25 يوماً فقط. كان ذلك الشهر بمثابة توحيد بين المنتخب المكسيكي وقوة كرة القدم في البلاد، مما وضع الاتحاد المكسيكي لكرة القدم (FMF) في موقع مثالي للاستفادة من الزخم الإيجابي مع بداية دورة 2030.

إلا أن ما حدث بعد انتهاء كأس العالم كان عكس التوقعات، حيث لم يكتف الاتحاد بالاستمرار في العمل ضمن هيكلية تفضل المال على الرياضة، بل اتخذ قرارات أدت إلى تدهور جودة كرة القدم المكسيكية بشكل أكبر.

إلغاء الصعود والهبوط يثير احتجاجات واسعة

يعد نادي Mineros de Zacatecas من أبرز الفرق التي تقود الاحتجاجات لاستعادة نظام الصعود والهبوط في كرة القدم المكسيكية. كان نظام الصعود والهبوط جزءاً أساسياً من دوري الدرجة الأولى المكسيكي (Liga MX) منذ موسم 1991-1992، حيث كان الفريق الأدنى ترتيباً يهبط إلى الدرجة الثانية (Liga de Ascenso) ويصعد بطل الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى.

لكن مع تفشي جائحة كورونا، تغير كل شيء. في أبريل 2020، قرر مالكو دوري الدرجة الأولى المكسيكي، الذين يديرون الاتحاد المكسيكي لكرة القدم، تعليق نظام الصعود والهبوط لحماية الفرق التي تكبدت خسائر مالية كبيرة بسبب الجائحة وتعليق موسم الكلاوسورا 2020. ومنذ ذلك الحين، تدفع الفرق التي تحتل المراتب الأخيرة غرامات مالية بدلاً من الهبوط، وأُعيد تسمية الدرجة الثانية إلى Liga de Expansión.

كان من المقرر إعادة نظام الصعود والهبوط بعد ست سنوات، لكن مع بداية موسم 2026-2027، لم يحدث ذلك. بل خلال الأسبوع الأخير من كأس العالم 2026، عدل دوري الدرجة الأولى المكسيكي قواعد المنافسة دون أي تفسير، مما قضى عملياً على نظام الهبوط والصعود. نصت القواعد الجديدة على أنه “اعتباراً من بداية موسم 2026-2027، لن تهبط فرق دوري الدرجة الأولى إلى Liga de Expansión، ولن تصعد فرق Liga de Expansión إلى دوري الدرجة الأولى”، بحسب ما نشر عبر موقع Proceso.

تصاعد الاحتجاجات في دوري الدرجة الثانية

أصبحت احتجاجات فرق Liga de Expansión لا يمكن تجاهلها، حيث شهدت الجولة الأولى من الموسم الجديد احتجاجات في ثلاث مباريات من أصل سبع، حيث رفض اللاعبون بدء اللعب، واكتفوا بتمرير الكرة في مواقعهم دون تحرك. رغم ذلك، استؤنفت المباريات لاحقاً، لكن الاحتجاجات جذبت اهتمام وسائل الإعلام في جميع أنحاء البلاد.

على الرغم من الغضب الشعبي، لم يتخذ دوري الدرجة الأولى أي موقف رسمي تجاه الأزمة، مدركاً أن القوة بيده. في العام الماضي، قدمت 10 فرق من Liga de Expansión شكوى قانونية إلى محكمة التحكيم الرياضي (CAS) لاستعادة نظام الصعود والهبوط مع اقتراب نهاية فترة الست سنوات. لكن المحكمة حكمت لصالح دوري الدرجة الأولى استناداً إلى وجود عام واحد متبقٍ في الفترة المحددة. خلال النزاع القانوني، هدد الدوري بسحب الدعم المالي عن هذه الفرق.

غياب نظام الصعود والهبوط يجعل من غير الضروري على فرق دوري الدرجة الأولى تقديم أداء تنافسي حقيقي، إذ لا تواجه عواقب كبيرة. الهدف من الحفاظ على 18 فريقاً ثابتاً هو جذب المزيد من المستثمرين لتعزيز الدوري مالياً، وتحويل الأندية إلى امتيازات تشبه نموذج الدوري الأمريكي (MLS) الذي يبدو أن دوري الدرجة الأولى المكسيكي يسعى لتقليده.

تأثير تقليد الدوري الأمريكي على كرة القدم المكسيكية

تُعد بطولة Leagues Cup المثال الأبرز على انبهار كرة القدم المكسيكية المتزايد بالدوري الأمريكي. بعد أسبوع واحد فقط من احتجاجات لاعبي Liga de Expansión، يبدأ دوري الدرجة الأولى المكسيكي جولته الأخيرة قبل التوقف للمشاركة في مباراة نجوم MLS ثم انطلاق بطولة Leagues Cup 2026.

إلغاء نظام الصعود والهبوط يعكس رغبة دوري الدرجة الأولى والاتحاد المكسيكي في تبني نظام المنافسة وبنية الدوري الأمريكي. كما أصبحت العلاقة التجارية بين الدوريين أولوية قصوى للاتحاد المكسيكي، خاصة على الصعيد التجاري.

بطولة Leagues Cup، التي تستمر لشهر كامل وتقام على الأراضي الأمريكية، أجبرت دوري الدرجة الأولى المكسيكي على تعديل جدوله بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية. بعد انطلاق الموسم، تسافر الفرق إلى الولايات المتحدة للمشاركة في البطولة التي تستخدمها العديد من الأندية كتمرين تحضيري بعد فترة الاستراحة الصيفية.

منذ أن أصبحت البطولة رسمية في 2023، فاز الدوري الأمريكي بكل النسخ دون أن يصل أي فريق من دوري الدرجة الأولى المكسيكي إلى النهائي. بالنسبة لدوري الدرجة الأولى، كانت بطولة Leagues Cup بديلاً عن بطولة كوبا ليبرتادوريس، المنافسة الدولية الأهم في أمريكا الجنوبية، التي شارك فيها الدوري المكسيكي من 1998 حتى 2016.

انسحاب المكسيك من كوبا ليبرتادوريس وتأثيره

شهدت كوبا ليبرتادوريس مشاركة فرق مكسيكية بارزة مثل كروز أزول، تشيفاس، وتيغريس الذين وصلوا إلى النهائيات، كما حقق نادي أمريكا انتصاراً مذهلاً على فلامينغو البرازيلي 3-0 في ملعب ماراكانا، وتغلب أتلانتيكو على فرق كبيرة مثل بوكا جونيورز.

لكن في 2016، قرر الاتحاد المكسيكي الانسحاب من البطولة بسبب تعديل في جدول كوبا ليبرتادوريس كان سيتطلب تعديل جدول الدوري المكسيكي. بعد ثلاث سنوات، انطلقت بطولة Leagues Cup، وأصبح الاتحاد المكسيكي لا يتردد في تعديل جدول الدوري للمشاركة فيها.

من الواضح أن بطولة Leagues Cup تحقق أرباحاً مالية أكبر للاتحاد والدوري المكسيكي، كما أن توسيع العلاقة التجارية مع الدوري الأمريكي، الذي يضم ملايين المشجعين المكسيكيين، يشكل حجر الزاوية في النموذج المالي المعتمد.

الأولوية للمال على حساب الرياضة في كرة القدم المكسيكية

يهيمن مبدأ تعظيم الأرباح على هيكلية كرة القدم المكسيكية، حيث يعتبر جلب أكبر قدر من المال الهدف الأساسي، بينما تأتي المنافسة الرياضية في مرتبة أدنى. من إلغاء نظام الصعود والهبوط إلى محاولة تقليد نموذج دوري أقل مستوى، كما يتضح من نتائج دوري أبطال الكونكاكاف في هذا القرن، ومن التخلي عن فرصة اللعب ضد أفضل فرق القارة، اتخذ الاتحاد المكسيكي قرارات تعطي الأولوية للفائدة المالية على حساب التطور الرياضي.

على مستوى الأندية، لم يختلف الوضع كثيراً. بعد الأداء القوي في كأس العالم، كان من المتوقع انتقال عدد من نجوم المنتخب المكسيكي إلى أوروبا، لكن حتى الآن لم يغادر أي لاعب من تشكيلة المكسيك في كأس العالم دوري الدرجة الأولى المكسيكي، رغم وجود عروض. على سبيل المثال، نادي أمريكا يطالب بمبلغ يفوق قدرة نادي روما الإيطالي على ضم المدافع إسرائيل رييس.

المال هو الحاكم في كرة القدم المكسيكية، وكل ما حدث خلال الشهر الماضي يعكس هذا الواقع بوضوح. النظام الحالي يعيق قدرة المكسيك على التطور داخل الملعب، وتتفاقم هذه المشكلات حتى تصل إلى المنتخب الوطني، كما ظهر في النتائج السيئة التي شهدتها بداية العقد.

عاشت المكسيك لحظات أسطورية خلال 25 يوماً في كأس العالم 2026، حيث استغل الفريق إمكانياته وأسر قلوب الجماهير. لكن بعد أقل من شهر على انتهاء مشوار المنتخب، يبدو أن تحقيق أو حتى تكرار هذا الإنجاز في كأس العالم 2030 أمر بعيد المنال.

 

تابع اخر اخبار كرة القدم والتحليلات

الحصرية

عبر