
شهدت الأسابيع الأولى من كأس العالم 2022 المقامة في أمريكا الشمالية تألُّق نجوم كرة القدم بأداء استثنائي فاق توقعات عشاق الساحرة المستديرة، الذين تابعوا أكبر وأشهر وأوسع بطولة شهدها التاريخ الحديث. وعلى الرغم من حضور أسماء كبيرة كما هو متوقع، إلا أن الأداء اللافت للنظر جعل السباق على الحذاء الذهبي للكأس هذا العام يتجاوز كونه قائمة مرشحين لجائزة الكرة الذهبية، مما يعكس جودة وجاذبية البطولة التي نتابعها.
مع اقتراب نهاية دور المجموعات، ودخول مرحلة خروج المغلوب التي تمثل بداية البطولة الحقيقية، برزت قصة شيقة تتعلق بتنافس تاريخي بين اثنين من أعظم لاعبي كرة القدم على الإطلاق.
يواصل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي صنع التاريخ في كل مرة يخوض فيها مباراة مع منتخب الأرجنتين. فقد أصبح خلال مشاركته الثانية في البطولة الهداف التاريخي لكأس العالم برصيد 18 هدفًا بعد تسجيله ثنائية أمام النمسا، ولا تزال أهدافه في تزايد. وبما أن حامل اللقب يبدو مرشحًا قويًا للمضي قدمًا في مراحل متقدمة من البطولة، فإن ميسي يمتلك القدرة على تحطيم الرقم القياسي السابق الذي يحمله اللاعب الألماني التاريخي ميروسلاف كلوزه.
ومع احتفال ميسي بعيد ميلاده التاسع والثلاثين، فإن هذا الإنجاز يجعل منه أسطورة لا تضاهى ومن المرجح أن يحتفظ بمكانته كأفضل هداف لكأس العالم لسنوات قادمة، حيث تتمتع الأرقام القياسية على نطاق واسع بصفة شبه دائمة تصبح مرجعًا تتكرر الإشارة إليه في كل بطولة.
من الجانب الآخر، يلاحق النجم الفرنسي كيليان مبابي ميسي عن كثب، حيث سجل 16 هدفًا في 16 مباراة بكأس العالم، معادلًا رقم ميروسلاف كلوزه السابق. وفي عمر 27 عامًا فقط، يبدو مبابي محاطًا بفرص عديدة لمعادلة أو تجاوز رقم ميسي في قائمة الهدافين التاريخيين، وربما يحدث ذلك في البطولة القادمة إذا تمكن من قيادة فرنسا إلى المباراة النهائية في نيو جيرسي.
يشبه التنافس بين ميسي ومبابي سباقات مشابهة شهدتها رياضات أخرى، على غرار منافسة تايجر وودز وجاك نيكلوس في الغولف. ففي حين يعد ميسي اللاعب الأكبر سنًا والذي رسم بمستواه معالم التفوق في الكرة العالمية، فإنه واجه مقارنات دائمة مع أساطير مثل دييغو مارادونا، كما خاض منافسة شرسة مع كريستيانو رونالدو الذي صارع معه على لقب الأفضل لعقد من الزمن.
يشبه تتبع مسيرة مبابي طريق تايجر وودز، الذي حظي بإشادة واسعة منذ سنوات شبابه لكنه لم يستطع إكمال السجل المثالي في الغولف رغم نجاحاته العديدة، حيث فشل في الحصول على لقب «تايغر سلام» نتيجة عدم حصوله على كأس أوروبا للأبطال. مبابي أيضًا ينتمي لعصر تتسم فيه وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بتشكيل ظواهر ثقافية كبيرة جعلته عنوانًا بارزًا خارج حدود الملاعب.
ومع ذلك، لا يمكن ضمان أن يحطم مبابي كل الأرقام القياسية في كرة القدم، كما كان يُعتقد عن تايجر وودز، فالرياضة ملعبة قد تغيبه الإصابات وأحيانًا صراع المنافسة الداخلية بين النجوم والمنافسين الذين يركزون عليه بشكل أكبر.
رغم ذلك، تستمر المتعة في متابعة هذا الصراع التاريخي بين لاعبين كبيرين يصنعان أعظم لحظات كرة القدم في كأس العالم 2022، حيث يتألقان في وقت متزامن ويشبه ذلك ما شاهده الملايين في رياضة الغولف مع تضارب أساطيرها. ويظل الافتتان الكبير هو لحظة المشاهدة الحية لتاريخ يكتب على أرض الملعب، محاطًا بأجواء بطولة استثنائية بكل المقاييس.
ويبقى الجمهور الرياضي مستمتعًا بمتابعة تفاصيل هذا التنافس المتجدد بين ميسي ومبابي، الذين يسيران على درب مماثل لتلك القصص الأسطورية التي توثقها الرياضات الكبرى وتلهم عشاقها عبر الأجيال.