كيف غيّر كأس العالم حياة الجماهير بين تحديات الطهي وقوانين يانته؟

احتفالات تاريخية في أوسلو: النرويج تعود إلى كأس العالم بعد غياب 28 عاماً وسط جدل ثقافي ونجومية هالاند

في ليلة باردة من نوفمبر الماضي، شهدت العاصمة النرويجية أوسلو حدثاً كروياً استثنائياً طال انتظاره، حيث استقل لاعبو المنتخب النرويجي حافلة متجهة إلى وسط المدينة للاحتفال بتحقيق إنجاز تاريخي: التأهل إلى نهائيات كأس العالم للمرة الأولى منذ عام 1998. هذا الإنجاز كان بمثابة حدث وطني في بلد يبلغ عدد سكانه خمسة ملايين ونصف المليون نسمة، ويشتهر بجغرافيته الجبلية وموارده الطبيعية وثقافته المتواضعة.

انتقادات سويدية ومخاوف محلية

لم تمر الاحتفالات دون انتقادات، إذ وصف الصحفي السويدي أولوف لوند الحفل بأنه “غريب” و”شبه مثير للشفقة”، مشيراً إلى أن السويد، الجارة والمنافسة التقليدية للنرويج، تملك تاريخاً كروياً أكثر عراقة. وأضاف لوند ساخراً: “احتفظوا بالاحتفال حتى تحققوا شيئاً في كأس العالم”. أثارت هذه التصريحات جدلاً في الأوساط النرويجية، حيث تساءل البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن مدى ملاءمة تنظيم احتفال ضخم لمجرد التأهل، خاصة أن الحفل أقيم مساء يوم عمل، ما أدى إلى حضور جماهيري متواضع في البداية.

حضور جماهيري ضخم ومشاعر جياشة

مع وصول الحافلة إلى ساحة البلدية، كان المشهد قد تغير تماماً، إذ احتشد نحو 45 ألف مشجع لاستقبال أبطالهم. خرج اللاعبون واحداً تلو الآخر إلى شرفة مبنى البلدية مرتدين سترات شتوية، بينما أضيئت الواجهة بألوان العلم النرويجي. خطف المهاجم آرون دونوم الأضواء بقيادته الجماهير في أغنية “Pump It Up” مرتدياً نظارات شمسية وقبعة صوفية بيضاء. الأطفال رسموا أعلام النرويج على وجوههم، والكبار ارتدوا خوذات الفايكنج البلاستيكية، فيما لم يتمالك المدرب المساعد وقائد المنتخب السابق بريدي هانغلاند دموعه قائلاً: “أنا رجل، ولست معتاداً على البكاء، لكن هذا كان فوق الاحتمال”.

احتفال وطني غير مسبوق

بعد تقطيع قالب الحلوى واستقبال رئيسة الوزراء، انتقل اللاعبون إلى أحد الحانات حيث استمرت الاحتفالات حتى ساعات متأخرة من الليل. حتى بعض السويديين اعترفوا بأن النرويج استحقت هذه المرة احتفالاً يليق بالإنجاز.

صدام مع “قانون يانته” وثقافة التواضع

يعد هذا الاحتفال انتصاراً بحد ذاته على ما يعرف في الثقافة الاسكندنافية بـ”قانون يانته” (Janteloven)، وهو مبدأ اجتماعي ساخر صاغه الكاتب الدنماركي-النرويجي أكسل ساندموس عام 1933، ويقوم على فكرة ألا يظن الفرد نفسه مميزاً أو أفضل من غيره. هذا القانون غير المكتوب يفرض على الجميع إخفاء نجاحاتهم وعدم التفاخر، وهو ما يتعارض مع طبيعة كرة القدم التي تتطلب أحياناً بروز الفردية والتميز.

هالاند: النجم الذي كسر القاعدة

على عكس الأجيال السابقة، ظهر في النرويج أخيراً نجم استثنائي هو إرلينغ هالاند، الذي استلهم الكثير من شخصية النجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش، المعروف بثقته العالية بنفسه وخروجه عن القواعد التقليدية. يقول المدرب ليف سميرود، الذي أشرف على هالاند في منتخبات الشباب: “زلاتان كان مصدر إلهام كبير لهالاند، فقد كان أكثر جرأة وتفرداً من النمط الاسكندنافي المعتاد، لكنه في الوقت نفسه كان مجتهداً وملتزماً بروح الفريق”.

حتى قبل احترافه خارج النرويج، ارتبط هالاند بوكيل الأعمال الشهير مينو رايولا، المعروف بجرأته ورفضه لقانون يانته. ومع انتقاله إلى بوروسيا دورتموند، بدأ هالاند يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي مرتدياً ملابس فاخرة وساعات باهظة الثمن، في تحدٍ واضح لثقافة التواضع النرويجية.

جدل حول “المعاملة الخاصة” وهالاند يرد في الملعب

لم تثر تصرفات هالاند الكثير من الجدل حتى مارس 2022، عندما وصل إلى معسكر المنتخب بطائرة خاصة ورفض الحديث للإعلام، ما أشعل نقاشاً وطنياً حول “المعاملة الخاصة” لنجم يعتقد البعض أنه يرى نفسه فوق الآخرين. وزادت الانتقادات بعد خسارة قاسية أمام النمسا 5-1 في أكتوبر 2024، حين رفض هالاند، بصفته قائداً للمنتخب، الإدلاء بأي تصريحات صحفية، قبل أن يعتذر لاحقاً.

لكن الرد جاء سريعاً في الملعب، إذ قدم المنتخب النرويجي واحداً من أفضل مشوار التصفيات في تاريخ أوروبا، محققاً ثمانية انتصارات متتالية، وسجل هالاند 16 هدفاً في ثماني مباريات، ليصبح معشوق الجماهير ويصفه أحد الصحفيين بأنه “استثناء من قانون يانته”. وتبين لاحقاً أن فكرة الاحتفال في ساحة البلدية كانت من اقتراح هالاند نفسه.

النرويج: من “الحصان الأسود” إلى مرشح قوي

ما زال النرويجيون يحاولون استيعاب التحول الذي طرأ على منتخبهم، إذ أبدوا قلقهم خلال قرعة المجموعات من مواجهة المنتخبات “المغمورة”، متناسين أنهم أصبحوا هم أنفسهم “الحصان الأسود” الحقيقي. وقد أبدى مدرب كندا جيسي مارش رغبته في تجنب مواجهة النرويج، فيما وضعتهم شركات المراهنات في المركز التاسع بين المرشحين للفوز باللقب.

حمى كأس العالم تجتاح النرويج

مع اقتراب البطولة، تشهد النرويج حالة من الحماس غير المسبوق، حيث تدرس السلطات تخفيف قوانين الكحول الصارمة خلال فترة المونديال، فيما يفكر بعض المشجعين جدياً في عبور المحيط الأطلسي على متن سفينة فايكنج. هذا الصيف، يشعر النرويجيون بأنهم “مميزون” بحق، وربما يسمحون لأنفسهم أخيراً بالاعتقاد بذلك.


قراءة فنية: كيف غيّر هالاند صورة النرويج الكروية؟

ما حدث في النرويج خلال الأشهر الماضية ليس مجرد تأهل رياضي، بل هو تحول ثقافي عميق في بلد لطالما تغلبت فيه قيم التواضع الجماعي على بروز النجوم الفرديين. إرلينغ هالاند لم يكن مجرد هداف، بل أصبح رمزاً لجيل جديد يجرؤ على الحلم والتعبير عن الفرح والفخر الوطني دون خوف من كسر التقاليد. نجاح المنتخب في التصفيات، والاحتفالات الجماهيرية الضخمة، والاعتراف الدولي المتزايد، كلها مؤشرات على أن النرويج دخلت مرحلة جديدة في تاريخها الكروي، حيث لم يعد الطموح مجرد مشاركة، بل المنافسة على أعلى المستويات.

خاتمة

تعيش النرويج اليوم لحظة استثنائية في تاريخها الرياضي، مدفوعة بجيل جديد من اللاعبين وعلى رأسهم هالاند، الذي أعاد تعريف معنى النجاح الكروي في بلد اعتاد التواضع. يبقى السؤال: هل يواصل المنتخب النرويجي كتابة التاريخ في نهائيات كأس العالم المقبلة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

تابع اخر اخبار كرة القدم والتحليلات

الحصرية

عبر