
مع وصول بطولة كأس العالم 2026 إلى منتصف الجولة الافتتاحية فقط، يبدو أن البطولة ربما كشفت بالفعل عن اثنين من أبرز المواهب الصاعدة التي قد تترك بصمتها طوال المنافسات.
الحديث هنا يدور حول المغربي أيوب بوعدي والإيفواري يان ديوماندي، اللذين قدما عروضًا لافتة للغاية في أولى مشاركاتهما المونديالية، مؤكدين أن مستقبل منتخبي المغرب وكوت ديفوار يبدو مشرقًا للغاية.
ورغم أن الثنائي لم يكن مجهولًا تمامًا قبل انطلاق البطولة، فإن ظهورهما على أكبر مسرح كروي في العالم منحهما فرصة للوصول إلى جمهور أوسع. فديوماندي أنهى مؤخرًا موسمًا مميزًا في الدوري الألماني، بينما أصبح بوعدي لاعبًا أساسيًا مع ليل الفرنسي منذ أكثر من عامين.

صاحب الـ18 عامًا قدم عرضًا استثنائيًا في خط وسط المنتخب المغربي خلال التعادل المثير 1-1 أمام البرازيل. وفي المقابل، أبدع ديوماندي البالغ من العمر 19 عامًا في انتصار كوت ديفوار بهدف دون رد على الإكوادور.
وكان ديوماندي يحظى باهتمام إعلامي أكبر قبل البطولة مقارنة ببوعدي، دون التقليل من قيمة لاعب المغرب الذي تم اختياره ضمن أبرز المواهب الواعدة قبل انطلاق المونديال. لكن جناح كوت ديفوار ارتبط اسمه بقوة بالانتقال إلى ليفربول خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية، بل أصبح أحد أكثر اللاعبين حديثًا في سوق الانتقالات الأوروبية منذ نهاية الموسم المحلي.
وقد نجح ديوماندي في إثبات صحة كل التوقعات عندما ساهم في انطلاقة مثالية لكوت ديفوار، وهي بداية قد تقود المنتخب الإيفواري بنسبة كبيرة إلى الدور التالي، خاصة أنه يتواجد في مجموعة تضم كوراساو التي لا تبدو مرشحة لصناعة الكثير من المفاجآت.
لم يدخل ديوماندي أجواء المباراة بشكل مثالي منذ البداية. ففي أول محاولة له لمهاجمة دفاع الإكوادور خلال الدقيقة الثامنة، فقد الكرة بسهولة عندما حاول التوغل نحو العمق.
وبعد دقائق قليلة فقط، واجهه المدافع بيرو هينكابي بقوة وانتزع الكرة منه مجددًا.
لكن تأثير اللاعب بدأ يتصاعد تدريجيًا.
فقد مرر كرة ذكية إلى سيكو فوفانا على حدود منطقة الجزاء، مانحًا زميله فرصة للتسديد رغم أن المحاولة تم إيقافها.
ثم عاد ليصنع فرصة أخرى لزميله إيلي واهي عبر تمريرة مبتكرة خلف الدفاع الإكوادوري، حيث نقل الكرة من قدم إلى أخرى ثم أرسلها لزميله في حركة واحدة رائعة، لكن اللمسة الأخيرة لم تكن بالمستوى المطلوب.
مع مرور الوقت تحول ديوماندي إلى صداع حقيقي بالنسبة لهينكابي.
ففي إحدى اللقطات، تخلص من مدافع أرسنال بحركة جسد بسيطة أعقبها انفجار مذهل في السرعة من الثبات، تاركًا إياه بعيدًا عن المشهد.
وبعدها بفترة قصيرة، تحرك نحو العمق قبل أن يغير اتجاهه بشكل مفاجئ داخل منطقة الجزاء، ليعجز هينكابي مجددًا عن إيقافه.
كلتا اللقطتين أسفرتا عن تمريرات خطيرة داخل منطقة الجزاء، ورغم أنها لم تتحول إلى أهداف، فإنها أبرزت حجم التهديد الذي شكله اللاعب الشاب.
وفي نهاية اللقاء، أنهى ديوماندي المباراة بعدما صنع خمس فرص محققا أعلى رقم بين جميع لاعبي البطولة حتى الآن.
كما نفذ سبع محاولات مراوغة وضعته في المركز الخامس بالتساوي مع عدد من اللاعبين الآخرين.
ولم يتفوق عليه أي لاعب هجومي في عدد مرات حمل الكرة لمسافات طويلة تقريبًا، حيث سجل:

ولم يكن ديوماندي اللاعب الإيفواري الوحيد الذي أرهق هينكابي، إذ تسبب أماد ديالو أيضًا في معاناة كبيرة للمدافع الإكوادوري خلال الشوط الثاني.
لكن الانفجار البدني والسرعة الهائلة التي يمتلكها ديوماندي جعلت أداءه يبقى عالقًا في الأذهان لفترة طويلة.
إذا كان ديوماندي قد أذهل الجميع بسرعته ومهاراته الهجومية، فإن بوعدي فرض نفسه بأسلوب مختلف تمامًا.
فبعد فترة قصيرة فقط من تغيير ولائه الدولي من فرنسا، بلد مولده، إلى المغرب، جاء قرار المدرب محمد وهبي بإشراكه أساسيًا أمام البرازيل مفاجئًا للكثيرين، خصوصًا بالنظر إلى حداثة عهده مع المنتخب وصغر سنه وقوة المنافس.
لكن وهبي لم يبد مندهشًا من أداء اللاعب بعد المباراة.
وقال المدرب المغربي:
“لم يفاجئني لأنه ببساطة اللاعب الذي أعرفه جيدًا.”
وأضاف:
“الجميع متحمس لما يقدمه، ومن الرائع أن يظهر بهذا المستوى في هذا العمر. لكن يجب ألا ننسى أنه سبق له خوض مباريات كبيرة، منها مواجهة ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا.”

الجماهير التي لم تكن تعرف بوعدي من قبل شاهدت لاعب ارتكاز يفرض إيقاع اللعب أمام منتخب البرازيل بطل العالم خمس مرات.
ولم يتفوق عليه في عدد اللمسات سوى قلبي دفاع البرازيل، حيث لمس الكرة 87 مرة خلال المباراة، وهو رقم يعكس حجم تأثيره في وسط الملعب، كما يكشف في الوقت نفسه عن الصعوبات التي واجهها المنتخب البرازيلي في المناطق الهجومية.
وكان بوعدي يتراجع باستمرار إلى المساحات الواقعة أمام خط الدفاع من أجل استلام الكرة وبناء الهجمات، مظهرًا هدوءًا كبيرًا حتى تحت الضغط.
أكمل بوعدي 60 تمريرة صحيحة من أصل 66 محاولة بنسبة نجاح بلغت 90.7%.
وبهذا الإنجاز أصبح ثاني أصغر لاعب منذ عام 1966 ينجح في إكمال أكثر من 50 تمريرة في مباراة واحدة بكأس العالم، بعمر 18 عامًا و254 يومًا.
ولم يقتصر تأثيره على التمرير فقط، بل أظهر ثقة كبيرة في نفسه عندما تقدم بالكرة وراوغ المنافسين.
ولم يتفوق عليه في عدد محاولات المراوغة داخل منتخب المغرب سوى عز الدين أوناحي الذي سجل 8 مراوغات مقابل 5 لبوعدي.
أما على المستوى الدفاعي، فقد استعاد الكرة ست مرات، ولم يتفوق عليه بين زملائه سوى أوناحي أيضًا الذي استعادها سبع مرات.
ما قدمه بوعدي أمام البرازيل كان أداءً ناضجًا ومتكاملًا يفوق عمره بكثير، خاصة أنه جاء في أول ظهور له بكأس العالم وأمام أحد أكبر المنتخبات في تاريخ اللعبة.
وكما جرت العادة في كل نسخة من كأس العالم، تظهر أسماء شابة تخطف الأنظار وتتحول إلى نجوم المستقبل.
وبعد الجولة الأولى من مونديال 2026، يبدو أن أيوب بوعدي ويان ديوماندي وضعا نفسيهما بقوة في مقدمة المرشحين لحمل هذا اللقب.