
في أجواء مختلفة تماماً عما عاشه مع ريال مدريد، ابتسامة عريضة تزينت وجه كيليان مبابي وهو يقف على أرضية ملعب ميتلايف بنيوجيرسي في إيست راذرفورد، حيث هتف أكثر من ثمانين ألف مشجع لتمجيد نجم فرنسا. لقد كان الفارق واضحاً بين التصفيقات التي استقبلها هنا والصفير المستمر الذي لاحقه أنصار الملكي طوال الموسم الماضي.
بينما لم تكن أداء مبابي في معظم فترات انتصار فرنسا 3-1 على السنغال يوم الثلاثاء بمستوى عاديته المعهود، إلا أن النصف الثاني من المباراة شهد ظهوراً مختلفاً تماماً للنجم الفرنسي، حيث تطاول الحزن الذي كان يغلف الملعب والمدرجات خلال فترته الأولى المخيبة للآمال.
لم تكن مساهمات مبابي الذهبية محصورة على ذلك اليوم. ففي الدقيقة 66، نفذ لمسة انهيارية أولى أرسلت الكرة إلى شباك المرمى، ليعطي فرنسا التقدم وسط موجة من الارتياح من قبل لاعبي الفريق الأزرق. ولم تمض ثلاثون دقيقة حتى أطلق مبابي ضربة ساحرة من مسافة ثلاثين ياردة مباشرة نحو الزاوية اليسرى العليا، في لحظة استشعر فيها العالم أنه يشهد واحداً من أعظم هدافي كأس العالم في التاريخ. وهذا ليس من قبيل المبالغة.
عودة مبابي إلى حيث تشع أضواء المسرح العالمي لم تكن بالأمر الجديد عليه. بل كانت هذه طبيعة ثانية له حتى وهو لا يزال في التاسعة عشرة من عمره، عندما خاض أول بطولة عالم له في روسيا عام 2018.
محاطاً بنجوم أمثال بول بوجبا وأنطوان غريزمان وأوليفيه جيرو، كان مبابي هو الذي استحوذ على الأضواء بالنسبة لفريق فرنسا. كان مراهقاً، يحمل في جنبه كل شيء وليس له شيء يثبته في ذات الوقت، أطل على العالم بحروف كبيرة جريئة، منقوشاً اسمه في سجل البطولة قبل أن يستحصل على رخصة قيادة.
بدأ مبابي بتسجيل أهدافه في المرحلة الأولى، حيث فتح حسابه على الصعيد العالمي في فوز فرنسا بنتيجة 1-0 على بيرو. ثم سجل هدفين في مباراة ربع النهائي ضد الأرجنتين، وهي بادرة استشرافية بطريقة ما، قبل أن يضيف هدفاً آخر في المباراة النهائية، مما ساعد فرنسا على تحقيق فوز 4-2 على كرواتيا وحسم لقب كأس العالم الثاني في تاريخها.
عاد مبابي إلى ديار وطنه حاملاً الكأس الذهبي جنباً إلى جنب مع جائزة أفضل لاعب شاب. كما انضم إلى بيليه في سجلات التاريخ ليصبح واحداً من أصغر لاعبين فقط الذين سجلوا في نهائي كأس العالم. وحتى لو لم يحقق شيئاً آخر في مسيرته، فإن مساهماته في النجم الثاني لفرنسا كانت كافية لكسب احترام دائم من مشجعي بلاده.
لكن بعد أربع سنوات، كانت نفس الحكاية تتكرر مرة أخرى. هذه المرة كان النجم الفرنسي في الثالثة والعشرين من عمره، حيث بدأ من حيث انتهى في روسيا، لكن هذه المرة في قطر. سجل ثلاثة أهداف بنهاية المرحلة الأولى، أضاف هدفين في فوز فريقه 3-1 على بولندا في دور الستة عشر، ثم حقق إنجازاً يثير الرعشة بتسجيله ثلاثية في نهائي كأس العالم 2022.
لم تكن أبطال مبابي كافية لحرمان ليونيل ميسي والأرجنتين من لقبهم المنتظر، لكن خروجه من البطولة كوصيف لم يحرمه من جوائز كبيرة. فاز بجائزة الحذاء الذهبي وجائزة الكرة الفضية، وحقق رقماً قياسياً آخر بانضمامه إلى جيف هيرست كواحد من اثنين فقط من اللاعبين الذين سجلوا ثلاثية في نهائي كأس العالم.
لم يكن هناك أي التباس حول حقيقة أن مبابي بني للساحات العالمية، تماماً كما كان نموذجه الطفولي كريستيانو رونالدو بني لدوري الأبطال. وتماماً كما كان ميسي بني لكل شيء.
بعد المشاركة في بطولتي كأس عالم فقط، كان لدى مبابي بالفعل اثنا عشر هدفاً في رصيده، متساوياً مع بيليه في المركز السادس من حيث أكثر الهدافين في تاريخ البطولة.
قبل بدء كأس العالم 2026، كانت الفجوة بين المركز السادس والأول هامشية جداً. لا تفصل بين مبابي والأسطورة الألمانية ميروسلاف كلوزه، أفضل هداف في تاريخ كأس العالم، سوى أربعة أهداف فقط.
بدأ النجم الفرنسي صعوده في سلم الهدافين منذ فرصته الأولى هذا الصيف، حيث سجل هدفه الثالث عشر والرابع عشر في كأس العالم في ظهوره الخامس عشر فقط في البطولة. ضاعفت هذه الثنائية اسم مبابي فوق ميسي في سجلات البطولة التاريخية، والنجم الأرجنتيني يشارك في بطولته السادسة هذا الصيف.
إن تجاوز أي رقم قياسي لميسي إنجاز في حد ذاته، لكن فعل ذلك على الساحة العالمية مع عدد ظهورات أقل بكثير هو أمر يستحق الإعجاب.
| الترتيب | اللاعب | عدد المباريات | عدد الأهداف |
|---|---|---|---|
| 1 | ميروسلاف كلوزه (ألمانيا) | 24 | 16 |
| 2 | رونالدو (البرازيل) | 19 | 15 |
| 3 | جيرد مولر (ألمانيا) | 13 | 14 |
| 4 | كيليان مبابي (فرنسا) | 15 | 14 |
| 5 (مشترك) | ليونيل ميسي (الأرجنتين) | 26 | 13 |
| 5 (مشترك) | جوست فونتين (فرنسا) | 6 | 13 |
| 7 | بيليه (البرازيل) | 14 | 12 |
| 8 (مشترك) | يورجن كلينسمان (ألمانيا) | 17 | 11 |
| 8 (مشترك) | ساندور كوتسيس (المجر) | 5 | 11 |
أضافت ثنائية مبابي إلى إنجازات أخرى مهمة: تتويجه كهداف فرنسا التاريخي، وكذلك هداف فرنسا الأول في تاريخ كأس العالم. في سن السابعة والعشرين، يمتلك نجم ريال مدريد الآن 58 هدفاً لحسابه الوطني، وهو لم يبدأ بالتباطؤ بعد.
السباق الآن مفتوح أمام مبابي لتوسيع الفجوة في السجلات التاريخية لفرنسا، بينما يستمر في الارتقاء في قائمة هدافي كأس العالم. إنه الآن متساوٍ مع جيرد مولر، وبعيد ثلاثة أهداف فقط عن تثبيت نفسه كأفضل هداف في تاريخ البطولة.
قال مبابي لصحيفة لو باريزيان عندما سُئل عما إذا كان مهتماً بأن يصبح الرئيس القادم لفرنسا: “أنا مكروه بما فيه الكفاية بالفعل!” جاء هذا التصريح بعد انتقاد النجم البالغ من العمر 27 سنة لوقوفه أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صورة جماعية للفريق قبل بدء البطولة. تعرض لاحقاً لنقد إضافي بعد أن تم التقاط صورة له بجانب الرئيس، ينظر إلى فريق ديدييه ديشان.
لم تساعد هذه الصور في تهدئة الجدل المحيط باسم مبابي. لقد طور النجم سمعة ما باعتباره لاعباً ينظر إلى نفسه على أنه فوق من يحيطون به. عمل مع سبعة مدربين مختلفين في آخر خمس سنوات ونصف. يرفض بشكل شبه مطلق المساهمة في الدفاع، وهو ما يؤثر سلباً على زملائه في الفريق، وكان في قلب حرب أهلية في غرفة خلع الملابس بريال مدريد في الموسم الماضي.
شهد مبابي أيضاً انقلاب جماهير ريال مدريد عليه في موسم 2025-2026 بعد أن جمع الفريق أفضل نتائجه بينما كان غائباً بسبب إصابة. لم يساعد الموقف عندما ذهب في إجازة مفاجئة في الأسبوع السابق لمباراة الكلاسيكو الأخيرة في الموسم. وقعت أكثر من 52 مليون شخص على عريضة طالبت برحيله عن النادي.
الانتقادات صحيحة بلا شك، خاصة أن مبابي الذي يُعتبر على نطاق واسع من أفضل اللاعبين في العالم، لم يفز قط ببطولة دوري الأبطال، ولا حصل على جائزة الكرة الذهبية، وحتى لم يحقق أي لقب كبير مع ريال مدريد.
لكن هل يهم كل ذلك إذا أصبح مبابي أعظم هداف في تاريخ كأس العالم هذا الصيف؟ بالتأكيد لن يهم إذا تمكن أيضاً من قيادة فرنسا للفوز بلقب كأس العالم الثاني في ثمان سنوات.
عندئذ، لن يكون هناك مجال للنقاش. حتى لو لم يعود للدفاع أو يضغط أو يخفف من كبريائه، فإن مبابي سيعيش للأبد في أساطير كأس العالم قبل أن يتجاوز الثلاثين من عمره.