
منحت بطولة كأس العالم لكرة القدم العالم أجمع بعض اللحظات الأكثر لا تنسى في تاريخ الرياضة برمتها، فشهدنا أهدافا مذهلة تأخذ الأنفاس، ومشاهد من البهجة الخالصة، وودعات محطمة للقلوب، وقصص انتصار استثنائية تحقق الأحلام، وكل ما يتخلل ذلك من مشاعر إنسانية نبيلة.
في حين تحتل هذه اللحظات الرائعة مكانا خالدا في أذهان المشجعين حول العالم، فقد خلدتها كذلك عدسات المصورين الذين كانوا في المكان الصحيح في الوقت الصحيح. فمن خلال أعينهم، تتحول الانفعالات الآنية في جزء من الثانية إلى صور خالدة لا تزول، لقطات فوتوغرافية عريقة تصير معيارا لا لتعريف البطولات وحسب، بل لأجيال كاملة من عشاق كرة القدم في أنحاء الأرض.
مع إطلالة بطولة كأس العالم 2026، سيشهد أمريكا الشمالية بلا شك لحظات رمزية عديدة ستنتظر كي تحدث في الملاعب والساحات الجديدة. وحتى يحين ذلك الوقت، إليكم ستة وعشرين صورة من صور كأس العالم التي لن ينساها العالم أبدا عبر التاريخ.
رأى كأس العالم عام 1958 ظهور أول نجم عالمي حقيقي في لعبة كرة القدم – بيليه. في سن السابعة عشر فقط، أضاء هذا الموهوب الشاب منتدى البطولة بستة أهداف حين رفعت البرازيل الكأس للمرة الأولى في تاريخها. وبعد الإشارة النهائية للحكم، انفجرت المشاعر والعواطف، فانهار المراهق في ذرف الدموع وهو في أحضان زملائه بفريقه.
تمثل صورة بوبي مور وهو يرفع كأس جول ريميه بينما يحمله زملاؤه على أكتافهم عقب فوز إنجلترا بكأس العالم 1966 واحدة من أقدم الصور الملونة البارزة في تاريخ كرة القدم الحديث، وتظل من أعز الصور وأثمنها في رياضة كرة القدم بأسرها. تخلد هذه الصورة الرمزية ليس فقط لحظة احتفال عظيم، بل كذلك شاهدا دائما على الإنجاز الوحيد الذي حققته إنجلترا في تاريخ كأس العالم حتى الآن.
شهدت بطولة كأس العالم 1970 مباراة استثنائية في المغامرة والتضحية حين تغلبت ألمانيا الغربية على إيطاليا برباعية أهداف مقابل ثلاثة في الدور نصف النهائي، في لقاء عرف باسم “مباراة القرن”. والصورة الأكثر بروزا في هذا اللقاء الأسطوري كانت لقائد ألمانيا الغربية فرانز بيكنباور، وهو يرتدي حزام تثبيت على ذراعه بعد خلع الكتف، ورغم إصابته المؤلمة فضل البقاء على الملعب من الدقيقة السبعين فما بعدها برفضه قبول التبديل.
في سنة 1970، أصبح بيليه الوحيد في التاريخ الذي نجح في الفوز بكأس العالم ثلاث مرات، ما ساهم في ترسيخ مكانة البرازيل كأعظم أمة في تاريخ هذه البطولة. وفي بطولته الأخيرة على الإطلاق، فتح بيليه التسجيل بنفسه في انتصار برازيلي ساحق بأربعة أهداف مقابل هدف واحد لإيطاليا في المباراة النهائية. وعندما انتهت المباراة، تحاصره الجماهير والزملاء بفرحتهم الجارفة، وهي صورة مناسبة جدا لرجل أضحى وجه اللعبة الجميلة نفسها.
كان الدور الجماعي من بطولة كأس العالم 1974 المرة الوحيدة في التاريخ التي التقت فيها ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية في مباراة دولية رسمية على أرفع مستويات المنافسة. حققت ألمانيا الشرقية فوزا تاريخيا صادما بهدف نظيف سجله يورغن شبارفاسر، ما أضفى على اللحظة طابعا سياسيا محتدما وصراعا حضاريا عميقا. غير أن ألمانيا الغربية نالت الثأر الحقيقي، إذ توجت بالبطل في غضون أسابيع قلائل على أرضها.
انتهى ماريو كيمبيس من بطولة كأس العالم 1978 متصدرا قائمة الهدافين برصيد ستة أهداف، منها ثنائية حاسمة في المباراة النهائية ضد هولندا. واحتفاله عقب الهدف الثاني، الذي سيثبت أنه الهدف الفاصل في النهاية، جسد لحظة من الفرح الحقيقي والخالص لا يشوبها شائبة.
احتفال آخر أيقونة في التاريخ، هذه المرة من نصيب الإيطالي ماركو تاردللي. وما عرف فيما بعد بـ “صرخة تاردللي”، حيث انطلق الوسيط الإيطالي مسرعا والدموع تنهمر على وجنتيه، قبضتاه مشدودة والصراخ ينبثق من حنجرته طربا وفرحا بعد أن سجل الهدف الحاسم ضد ألمانيا الغربية في نهائي كأس العالم 1982.
أكثر لحظة مثيرة للجدل في كل تاريخ كأس العالم، وبعد كل هذه السنوات لا تزال من أكثر اللحظات شهرة وتأثيرا، حين بدا أن ديجو مارادونا سجل هدفا بيده ضد إنجلترا في ربع نهائي 1986. وفي المباراة نفسها، سجل مارادونا ما عرف بـ “الهدف في القرن”، حركة استثنائية مفردة من صنع يديه استعرضت عبقريته الفذة. فهذه المباراة جسدت ثنائية مارادونا: لحظة من الإبداع المتألق، ولحظة أخرى من الجدل الصارخ، وعبقرية مارادونا المعيبة في أكمل صورها.
رغم كل الجدل والخلافات، استحق مارادونا برحابة صدر أن يرفع كأس العالم تلك السنة، وخلد صورة لم تنس بقبلته الشهيرة على الكأس قبل لحظات من رفعه في الهواء، في إحدى الصور الأكثر تعريفا لبطولة كأس العالم.
لا توجد صورة تجسد بشكل أفضل من غيرها رحلة إنجلترا الطويلة والمؤلمة بحثا عن لقب عالمي ثاني، مثل صورة بول غاسكوين وهو في الدموع، قميصه ملفوف على وجهه، عقب خسارة منتخب الأسود الثلاثة لألمانيا الغربية بركلات الترجيح في نصف النهائي 1990.
بينما كان غاسكوين يفيض بالدموع، كان روجر ميللا من الكاميرون يرقص، يحتفي بأهدافه في كأس العالم 1990 برقصته الأسطورية المشهورة عند زوايا الملعب. في سن الثامنة والثلاثين وليس أصغر من ذلك، أنار السن الكاميروني البطولة برقصته المفعمة بالفرح، وأداها أربع مرات حين أصبحت الكاميرون أول أمة أفريقية تصل لدور الربع النهائي.
جاءت بطولة كأس العالم للولايات المتحدة الأمريكية للمرة الأولى عام 1994، حاملة معها العظمة والدراما التي تتسم بها الساحة الأمريكية. قدمت النجمة ديانا روس أغنيتها “أنا أخرج للعلن” في حفل الافتتاح، حيث أخطأت سيئة الحظ في رمية جزاء أمام مرمى فارغ تماما في بداية عرضها.
صورة ستذكرها كأس العالم لأسباب خاطئة تماما. التقط المصورون اللحظة بدقة حين أدخل أندريس إسكوبار الكرة في مرماه الخاص ضد الولايات المتحدة في بطولة 1994، خطأ فادح ساهم في إقصاء كولومبيا من الدور الجماعي. وبعد عودته إلى الوطن بأيام قليلة، قتل إسكوبار بشكل مأساوي، فتحولت هذه الصورة لا محالة من إحدى أسوأ صور البطولة إلى أكثرها احتواء على الألم والمأساة الإنسانية.
صورة يود عشاق إيطاليا وروبيرتو باجيو نفسه أن ينسوها تماما، غير أنهم لن يستطيعوا. أرسل باجيو “الحصان ذو الذيل الإلهي” ركلة الترجيح الفاصلة فوق العارضة في نهائي 1994، فأعطى البرازيل اللقب وأفرز لحظة من أسوأ اللحظات في تاريخ كرة القدم: صورة لا تنسى لإيقونة حقيقية من أيقونات اللعبة تتعثر في أحلك ساعاتها.
في سنة 1998، رأى ديفيد بيكهام من إنجلترا اللون الأحمر بطريقتين مختلفتين تماما. مع تعادل مثير في مباراة دور الستة عشر ضد الأرجنتين بنتيجة 2–2 في الشوط الثاني، فقد بيكهام تركيزه وركل ديجو سيميوني بينما كان مستلقيا على الأرض. وللحال أخرج الحكم كيم نيلسن البطاقة الحمراء، والحظة دهشته وعدم تصديقه لما يحدث تم تصويرها بدقة، علامة على اللحظة التي ولد فيها كبش فداء أمة بأسرها.
كان رونالدو النجم الأساسي والمتوهج في بطولة كأس العالم 1998، غير أن بطولته تذكر في النهاية لما حدث في الدور النهائي. توقع الجميع أن يشع رونالدو في العرض الفاصل ضد فرنسا، لكنه غياب غريب الأطوار عن قائمة الفريق قبل الانطلاق بوقت قصير، ثم ظهر فجأة وقدم أداء كئيبا بعيدا جدا عن معاييره المعروفة، وسط تقارير عن حادثة تشنجية غريبة تعرض لها في الليلة السابقة. الصورة الدائمة له وهو يسير بخطوات الهزيمة مع حذاؤه ملفوف حول رقبته ظلت علامة خالدة على الفجيعة البرازيلية وحلم رونالدو المحطم في كأس العالم.
خاضت السنغال بطولة كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها سنة 2002، وحققت المستحيل في أول مباراة لها على الإطلاق على هذا المستوى – أسقطت الفرنسيين أصحاب البطولة بهدف نظيف من سجل الراحل بابا بوبا ديوب، احتفل به الجميع بطريقة لا تنسى حيث رقصوا حول قميصه على الملعب.
بعد الإحباط والألم الذي ساد النهائي 1998، أعلن رونالدو بقوة عن عودته سنة 2002، فأنهى البطولة كأفضل هداف وسجل هدفين في المباراة النهائية ضد ألمانيا ليرفع البرازيل للقب. كانت قصة انتصار غايتها الكمال، جعلتها أسطورية بشكل إضافي واحدة من أشهر التسريحات في كل تاريخ الرياضة.
لحظة غريبة جدا يصعب تصديقها حتى الآن، لكنها حدثت فعلا: ضرب زين الدين زيدان إيطالي ماركو ماتيراتزي برأسه في صدره خلال نهائي كأس العالم 2006. بعد أن أساء إليه الإيطالي بكلمات ترتبط بأمه، رد زيدان بحركة سريعة أرسلت ماتيراتزي أرضا قبل أن يرى البطاقة الحمراء من الحكم هوراسيو إليزوندو. صورة رحيله من الملعب بنظرات الدهشة والحزن أضحت واحدة من أكثر الصور تعريفا للبطولة، حيث خسرت فرنسا النهائي بركلات الترجيح أمام إيطاليا. بل إن الأكثر غرابة هو أنها كانت اللحظة الأخيرة من حياة زيدان المهنية المجيدة، شاهدتها العالم بأسره، وجمدت إلى الأبد في التاريخ.
جميع من كانوا في الملعب وفي المنازل وعبر الشاشات يرون بوضوح أن تسديدة فرانك لامبارد البعيدة ضد ألمانيا في دور الستة عشر عام 2010 تجاوزت خط المرمى بوضوح. المسؤولون عن تطبيق القوانين، رغم ذلك، لم يروها كذلك، وفي غياب تقنية تحديد خط المرمى التي لم تكن موجودة بعد، حرم لامبارد من هدف شرعي تماما وحرمت إنجلترا من فرصة عودة محتملة من موقع متأخر 0–2، قبل أن تخسر بنتيجة نهائية قاسية 4–1.
سجل أندريس إنييستا أهم هدف في تاريخ إسبانيا كله في نهائي كأس العالم 2010، حين أرسل تسديدة أنيقة بقدمه في الشوط الإضافي ضد هولندا لتأمين أول بطولة عالمية في التاريخ الإسباني. احتفاله حمل الكثير من الانفعالات والعاطفة، حيث رفع قميصه الداخلي ليكشف عن نقش يقول “داني جارك دائما معنا” (“Dani Jarque siempre con nosotros”)، تكريما لصديقه الحميم والقريب من قلبه، قائد إسبانيول داني جارك، الذي فقده عن عمر ناهز ستة وعشرين سنة قبل سنة واحدة.
قلما شهدت كأس العالم أهدافا أجمل من رأس روبين فان بيرسي المتطاير في الهواء في فوز هولندا الساحق 5–1 على إسبانيا سنة 2014، حين قفز المهاجم الهولندي عاليا للالتقاط بتمريرة آرين روبن، أرسلها بلطف فوق إيكير كاسيللاس والكرة في الشباك، في لحظة جعلته يجسد حقا كل معاني الطائر الهولندي الحقيقي.
من لحظة إبداع متألق في رأس فان بيرسي إلى لحظة من الجنون الفج من نصيب مهاجم أوروجواي لويس سواريز، الذي في مباراة دور الجماعات ضد إيطاليا غاص بأسنانه في كتف جيورجيو تشيليني، تاركا علامة واضحة لم يتردد تشيليني في عرضها أمام الكاميرات. التقطت الكاميرات سواريز يتظاهر بأنه الضحية، بينما جلس تشيليني على الأرض من الخلف يشير بذراعه، وهي لحظة كوميدية غريبة حقيقية انجمدت في تاريخ كأس العالم.
أحضر جماهير آيسلندا قوة ثور معهم إلى بطولة كأس العالم 2018، تماما كما فعلوا في يورو 2016، برقصتهم الشهيرة والمسماة برقصة الفايكينج. الهتاف بدأ بصراخ موحد قوي وتصفيق، يتكرر على فترات متباعدة ثم يتسارع تدريجيا، محدثا إيقاعا مهيبا يعم الملعب بأكمله، وقد ارتبطت هذه الرقصة ارتباطا ماشا بفوز آيسلندا الصادم على الأرجنتين.
انطلقت الأرجنتين ببحثها عن أول لقب عالمي لها منذ 1986 سنة 2022 ضد الفريق الضعيف السعودي، وبدت معها طريق سهل بعدما فتح ليونيل ميسي التسجيل بعد عشر دقائق. لكن هدفين سريعين بعد استئناف الشوط الثاني قلبا موازين اللعبة رأسا على عقب، حيث سجل سالم الدعيع ما تبين أنه الهدف الفاصل بطريقة ملفتة، احتفل به بشقلبة وشقلبة جانبية قبل أن تحيطه حشود زملائه. وللأرجنتين، راود البعض خوف من أن تكون هذه بداية حملة أخرى مليئة بالآلام والخيبات.
أخيرا، الأرجنتين وميسي فعلاها. عادت الأرجنتين بقوة من صدمة الهزيمة من السعودية، وتوجت باللقب، مع ميسي صاحب البراعة الفذة الذي حقق لحظته الغالية والمنتظرة عام 2022، سجل هدفين في مباراة نهائية مثيرة ضد فرنسا انتهت 3–3 قبل أن تظفر الأرجنتين بالفوز من ركلات الترجيح. أطلقت الأمة بأسرها الزفرة الطويلة الممتدة بارتياح، وابتسم ميسي بتدفق حقيقي من الأذن للأذن الأخرى، رفع وسط مشاهد احتفالية لا توصف وفرحة وطنية جارفة، محققا أخيرا هدفه والإرث الذي طالما تابعه طويلا في كأس العالم.
اقرأ أحدث أخبار كأس العالم والمعاينات والتحليلات من هنا