
تشهد البطولة الدولية الضخمة لحظات درامية منذ بدايتها، حيث خيبت منتخب البرتغال آمال جماهيره بنتيجة مخيبة في اللقاء الافتتاحي للحملة. انطلقت رحلة البرتغال في كأس العالم يوم الأربعاء في مدينة هيوستن بتعادل مخيب للآمال برصيد هدف لكل فريق أمام الكونغو الديمقراطية. سجلت القوة الأوروبية هدفها مبكرا جدا بعد ستة دقائق فقط من بداية المباراة عبر رأسية من لاعب وسط الفريق جواو نيفس، لكنها لم تتمكن من تكرار الكرة مجددا خلال المتبقي من الشوط الأول. عادلت الكونغو الديمقراطية النتيجة قبل انقضاء الشوط الأول بدقائق قليلة، وفرضت حصارا دفاعيا قويا في الشوط الثاني ضمنت به الحفاظ على نقطة ثمينة من مواجهة الفريق الأوروبي.
كريستيانو رونالدو، الذي يعتبر بلا شك أفضل لاعب في تاريخ منتخب البرتغال الكروي، قدم أداء باهتا جدا في هذا اللقاء المهم. لم يسجل أي محاولة تصويبية حتى الدقيقة السابعة والستون من الوقت المنقضي للمباراة. جاءت جميع محاولاته الثلاث في التصويب نحو المرمى بعيدة عن الهدف، مما يعكس عدم دقة واضحة في التنفيذ. يمكن القول بأن أبرز مساهمات رونالدو في المباراة كانت سلبية بطبيعتها، حيث بدا منشغلا بشكل أساسي بتسجيل الهداف الشخصي بدلا من العمل على مساعدة زملائه لتحقيق الفوز الجماعي. ظهر واضحا اعتقاده بأن جميع تحركات الهجوم يجب أن تمر عبر قدميه مباشرة.
قدم الأسطورة السابقة تييري هنري، الذي علق المباراة في برنامج ما بعد المباراة على شبكة فوكس، شرحا مفصلا وواضحا لكيفية أن أنانية رونالدو تلحق الضرر بالفريق ككل. أشار هنري إلى لحظة محددة في الشوط الثاني حين كانت البرتغال تشن هجوما خطيرا في منطقة نهاية ملعب الكونغو. توزعت ثلاثة لاعبين برتغاليين في منطقة الـ 18 ياردة، بينما دافع عنهم ثلاثة لاعبين من الفريق الأفريقي. كان من الممكن أن تحقق البرتغال تقدما تاكتيكيا إذا ما قام رونالدو بأي حركة هجومية نحو المرمى، حيث كان سيترتب على ذلك تحرير نجم وسط الملعب برونو فيرناندس ليستقبل الكرة بوقت كاف والمساحة اللازمة للتصويب بدقة. لكن رونالدو فضل أن يندفع نحو الكرة ذاتها ليقطع المسار الذي كانت موجهة من أجله، حيث سدد الكرة بعيدا عن المرمى.
أعقب هذا التحليل المفصل تعليق هنري الشهير الذي قال فيه بكل وضوح: “الفريق هو الذي يحتاج إلى تسجيل هدف، وليس أنت من تحتاج إلى تسجيل هدف.”
حقق رونالدو عبر مساره الكروي النادي طويل الأمد نجاحات استثنائية غير عادية. توج جهوده بحصوله على جائزة الكرة الذهبية خمس مرات، وتتويج نفسه بخمسة ألقاب في دوري الأبطال الأوروبي، بالإضافة إلى سبع بطولات في أكبر الدوريات الأوروبية. غير أن تحقيق حلمه الأكبر مع منتخب الوطن في كأس العالم ظل بعيد المنال حتى الآن. عند مقارنة مساره بنظيره الأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي اقترنت مسيرتهما معا لسنوات طويلة في السباق على الصدارة، يبقى غياب لقب كأس العالم هو أبرز نقطة الفارق الجوهري بينهما.
من غير المتوقع أن يتمكن رونالدو من قيادة وطنه إلى تحقيق كأس العالم مثلما فعل ميسي عام 2022، لكنه قد يكون قادرا على المساهمة كعنصر ضمن فريق موحد يحقق هذا الإنجاز. يمثل اللعب الأناني والمتمركز حول الذات الذي يقدمه رونالدو حاليا أكبر عقبة تواجه طموحات البرتغال. استمرت سلسلة إحباطات رونالدو في عدم التسجيل لمدة عشر مباريات متتالية على مستوى البطولات الدولية الكبرى، حيث لم يسجل أي هدف حتى في مباراة الكونغو الديمقراطية. تزخر صفوف الفريق البرتغالي بعناصر موهوبة جدا تمارس ألعابها في أكبر الأندية الأوروبية، لكن الفريق برمته يبقى مركزا اهتمامه على إرضاء لاعب بلغ من العمر 41 عاما قضى السنوات الأربع الماضية في جمع الرواتب بدون تقديم مستويات عالية من خلال اللعب في الدوري السعودي.
ليس المقصود من هذا الانتقاد أن رونالدو لا يستطيع أن يقدم إسهامات إيجابية وفعالة لمنتخبه البرتغالي، بل الضرورة الملحة تكمن في تعديل دوره وطريقة استخدامه من قبل الجهاز الفني. يبدو من المستغرب جدا أن يُسمح لرونالدو، رغم الأداء الضعيف والمخيب الذي قدمه ضد الكونغو الديمقراطية، باللعب لمدة الـ 90 دقيقة كاملة. لماذا لا يتم إخراجه من مقاعد البدلاء في الدقائق الأخيرة من المباراة حين يحتاج الفريق إلى هدف ضاغط؟ بدلا من أن يضطر لتوزيع طاقته على مدار المباراة كاملة، يمكن إدخاله كبديل في نهاية اللقاء، مما يحرره من قيود الحفاظ على لياقته البدنية ويسمح له بتنفيذ حركات هجومية أكثر حدة وأقل تحفظا.
قام فرناندو سانتوش، الذي أدار منتخب البرتغال من سنة 2014 حتى سنة 2022، بخطوة جريئة وحاسمة حين أجلس رونالدو على مقاعد البدلاء في كأس العالم السابق. بعد أن فشل رونالدو في تسجيل أي ركلة موقوفة نحو المرمى في أي من آخر مباراتي البرتغال في مرحلة المجموعات، استبعده المدرب من التشكيلة الأساسية للمباراتين الأخيرتين للبرتغال في البطولة. حل محله لاعب الوسط جونسالو رامس في مواجهة الدور السادس عشر أمام سويسرا، حيث سجل الشاب الموهوب ثلاثة أهداف في فوز ساحق برصيدة ستة أهداف لهدف واحد. عاد رونالدو للملعب بدلا من رامس في الدقيقة الثالثة والسبعون، كما احتل مقاعد البدلاء أيضا في مباراة ربع النهائي الخاسرة أمام المغرب.
تكمن المشكلة الحقيقية التي تواجه منتخب البرتغال في أنه لا يملك سوى اثنين من المهاجمين الحقيقيين المتخصصين على قائمته، وهما رونالدو ورامس. كان نجم جونسالو رامس أكثر لمعانا قبل بضع سنوات حين كان يحقق إنجازات ملفتة مع فريق بنفيقا في الدوري البرتغالي، الأمر الذي جذب اهتمام نادي باريس سان جيرمان الذي اشتراه بمبلغ يقارب 75 مليون دولار أمريكي. لكنه يعود بعد موسم متوسط الأداء مع الفريق الباريسي حيث سجل ستة أهداف فقط خلال 30 مباراة في دوري الدرجة الأولى الفرنسي. بالرغم من ذلك، يبقى من المهم على الأقل تجربة ما إذا كان بإمكانه مساعدة الهجوم البرتغالي على استعادة توازنه وإيقاعه بشكل أفضل من الحالة الحالية مع رونالدو يقود الهجوم. الخبر السار بالنسبة للمدير الفني روبيرتو مارتينيز أن المباراة التالية للبرتغال أمام فريق أوزبكستان توفر فرصة ذهبية لإجراء بعض التجارب والتعديلات التكتيكية. يجب أن تتمكن البرتغال من الفوز على هذا الفريق الذي يشارك في كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، حتى وإن ظل رونالدو يعيق حركة اللعب أمام مرمى الخصم.