
يقترب دور المجموعات في كأس العالم 2026، الأكبر في تاريخ البطولة، من الوصول إلى خط النهاية، لكن الجولة الثالثة ما تزال تحمل الكثير من الأسئلة المهمة التي تنتظر الإجابة.
النظام الموسع الجديد للمونديال يعني أن 16 منتخبًا سيغادرون البطولة بعد نهاية الجولة الثالثة، وقد تأكد بالفعل خروج خمسة منتخبات حتى الآن هي: هايتي، تركيا، تونس، الأردن وبنما.
لكن هذا لا يعني أن المباريات المتبقية فقدت أهميتها. فحتى مع تراجع حجم الضغوط على بعض المنتخبات، لا تزال هناك رهانات كبيرة على مستوى النتائج، والمراكز، وبناء الزخم قبل الأدوار الإقصائية، إلى جانب سعي عدد من النجوم لإثبات أنفسهم فرديًا.
وفي هذا السياق، نستعرض خمس أسئلة رئيسية قد تجيب عنها الجولة الثالثة من كأس العالم 2026.
اعتادت كأس العالم تاريخيًا أن تُقام في دولة واحدة، وغالبًا ما تستفيد الدولة المضيفة من اللعب أمام جماهيرها لتذهب أبعد مما هو متوقع. لكن أن تنهي الدول الثلاث المستضيفة في نسخة 2026 دور المجموعات من دون أي خسارة، فسيكون ذلك إنجازًا لافتًا، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن كندا لم تفرض نفسها عالميًا إلا في السنوات الأخيرة نسبيًا.
منتخب كندا بقيادة جيسي مارش سيواجه سويسرا، أعلى منتخبات المجموعة B تصنيفًا، والمنتخب الآخر الذي لم يتعرض للخسارة حتى الآن. وبما أن التأهل قد حُسم بالفعل، فإن هذه المباراة ستحدد هوية متصدر المجموعة.
أما الولايات المتحدة، فستصطدم بمنتخب تركيا، أحد أكثر منتخبات البطولة خيبة للآمال حتى الآن، في آخر مباريات دور المجموعات. أداء المنتخب الأميركي نجح بالفعل في جذب اهتمام الجماهير داخل البلاد وخارجها، وفوز ثالث على التوالي قد يدفع حمى كأس العالم إلى مستوى أكبر داخل الولايات المتحدة.
وبعيدًا عن الأضواء، يواصل منتخب المكسيك تقديم بطولة متماسكة، إذ إنه المنتخب المضيف الوحيد الذي لم يستقبل أي هدف حتى الآن، وهو واحد من أربعة منتخبات فقط خرجت بشباك نظيفة في أول مباراتين. ويمكن للمكسيك أيضًا أن تحقق العلامة الكاملة إذا فازت على التشيك في الجولة الثالثة، علمًا بأن الأخيرة تحتاج إلى نتيجة إيجابية من أجل التمسك بأمل بلوغ دور الـ32.

لم يكن أحد يتوقع من تونس أن تكون من بين أبرز مفاجآت كأس العالم، لكن ما قدمه المنتخب حتى الآن جاء مخيبًا حتى مقارنة بالتوقعات المتواضعة التي سبقته إلى البطولة.
استقبلت تونس تسعة أهداف في أول مباراتين، وهو أكبر عدد بين جميع المنتخبات المشاركة حتى الآن. ولم تتوقف المشاكل عند هذا الحد، إذ إن إقالة صبري لموشي بعد الجولة الأولى جعلت تونس تملك في أميركا الشمالية عددًا من المدربين أكثر من عدد الأهداف التي سجلتها حتى الآن، بواقع مدربين مقابل هدف واحد فقط.
لذلك، فإن ما تبقى لتونس في الجولة الثالثة هو اللعب من أجل الكرامة وتجنب نهاية أكثر قسوة.
هولندا قدمت عرضًا قويًا أمام السويد في الجولة الثانية، بينما بدا أن تونس تراجعت أكثر في أول مباراة تحت قيادة هيرفي رينارد، بعدما فشلت حتى في تسديد أي كرة على المرمى أمام اليابان. ولهذا فإن تجنب هزيمة ثقيلة جديدة سيكون ضروريًا إذا أراد المنتخب التونسي الابتعاد عن الحديث حول أسوأ منتخب في تاريخ كأس العالم.
ويبقى منتخب زائير في نسخة 1974 صاحب أسوأ أداء في دور المجموعات بتاريخ البطولة، بعدما أنهى مشاركته من دون أي نقطة أو هدف وبفارق أهداف بلغ -14.
أما أسوأ حملة في النظام الحديث لكأس العالم، أي بنظام المجموعات الذي يليه دور إقصائي، فكانت من نصيب السعودية في 2002، حين خرجت بلا نقاط، وبلا أهداف، وبفارق أهداف وصل إلى -12. وإذا خسرت تونس بفارق أربعة أهداف أمام هولندا، فإنها ستعادل هذا الرقم السلبي.

في واحدة من أكبر مفاجآت الجولة الأولى، فشل منتخب إسبانيا، الذي دخل البطولة كأحد أبرز المرشحين، في الفوز على الرأس الأخضر التي تخوض أول مشاركة لها في كأس العالم.
استحوذت كتيبة لويس دي لا فوينتي على الكرة بنسبة 74.3% في تلك المباراة، لكنها واجهت صعوبة كبيرة في اختراق دفاع الرأس الأخضر، ولم تصنع سوى فرصتين كبيرتين فقط وفق تعريف Opta. وبدا واضحًا أن المنتخب الإسباني افتقد كثيرًا لوجود موهبته الشابة لامين يامال منذ البداية، إذ لم يشارك اللاعب إلا بداية من الدقيقة 71.
لكن الأمور تغيّرت أمام السعودية، بعدما عاد يامال إلى التشكيلة الأساسية، فظهر المنتخب الإسباني بصورة أكثر حدة وخطورة. وسجل يامال هدفًا، فيما أضاف ميكيل أويارزابال ثنائية، ليواصل مهاجم إسبانيا سلسلة مذهلة ساهم خلالها في 20 هدفًا خلال آخر 14 مباراة دولية، بتسجيل 13 هدفًا وصناعة 7. كما تقدمت إسبانيا 3-0 خلال أول 25 دقيقة، ليُحسم اللقاء عمليًا مبكرًا.
مع ذلك، يبقى السؤال قائمًا: هل كان هذا التحسن ناتجًا عن عودة إسبانيا إلى مستواها الحقيقي، أم أن السعودية هي من سهلت المهمة بسبب معاناتها مع اللعب بخط دفاع خماسي غير معتاد؟
المباراة الأخيرة في دور المجموعات أمام أوروغواي ستكون الاختبار الحقيقي. وقبل انطلاق البطولة، كان كثيرون يعتبرون هذه المواجهة واحدة من أقوى مباريات الدور الأول. وكما هو معتاد مع فرق مارسيلو بيلسا، فإن أوروغواي ستقدم اختبارًا بدنيًا وتكتيكيًا صعبًا.
والطريقة التي ستتعامل بها إسبانيا مع هذا التحدي قد تعطي مؤشرًا واضحًا على ما إذا كانت قادرة فعلًا على الذهاب بعيدًا في البطولة.

لم تعد بلجيكا نسخة 2018، والجيل الذهبي الذي كان يمنحها مكانة خاصة في البطولات الكبرى لم يعد موجودًا. أما النسخة الحالية من المنتخب، فقد بدأت كأس العالم 2026 بطريقة باهتة لا تبشر بالكثير.
بعد مباراتين أمام مصر وإيران، يجد منتخب رودي غارسيا نفسه من دون أي فوز، بينما تراجعت فرصه في تصدر المجموعة، رغم أن كثيرين كانوا يتوقعون ذلك قبل انطلاق البطولة، إلى 26.6% فقط.
ولم يسجل منتخب بلجيكا أي هدف بنفسه حتى الآن في أميركا الشمالية، إذ جاء هدفه الوحيد في البطولة عبر هدف عكسي من المنافس. وفي مباراته ضد إيران، سدد 23 كرة من دون أن ينجح في التسجيل، وهو أعلى عدد من التسديدات لفريق يفشل في هز الشباك في مباراة بكأس العالم منذ عام 1994.
ومع عودة جيريمي دوكو بعد غياب مرتبط بولادة طفله والتعافي من وعكة صحية، واستمرار روميلو لوكاكو في استعادة جاهزيته البدنية، تبدو الجولة الثالثة بمثابة الفرصة الأخيرة لإنقاذ صورة بلجيكا في البطولة.
لكن المهمة لن تكون سهلة أمام نيوزيلندا، التي لا ينبغي التقليل منها. فقد قدم المنتخب النيوزيلندي عرضًا جيدًا أمام إيران في الجولة الأولى وكان قريبًا من الفوز، ثم تقدم على مصر في الجولة الثانية قبل أن يخسر في النهاية.
وفي ظل الأداء الباهت لبلجيكا حتى الآن، فإن منتخب “أول وايتس” سيدخل المباراة وهو يملك أملًا حقيقيًا في صناعة مفاجأة جديدة.

على المستوى الفردي، تركزت الأضواء في كأس العالم 2026 على السباق بين ليونيل ميسي وكيليان مبابي نحو صدارة الهدافين التاريخيين للمونديال.
لكن هذا لم يمنع إرلينغ هالاند من فرض نفسه بقوة، حتى لو ابتعد قليلًا عن دائرة الضوء بسبب وجود ميسي ومبابي. ومع ذلك، فإن المهاجم النرويجي سيبحث عن رسالة قوية جديدة عندما يواجه فرنسا في الجولة الثالثة.
هالاند ظهر كعادته بصورة تهديفية مرعبة في أول كأس عالم يخوضه، بعدما سجل ثنائية في كل من أول مباراتين له في البطولة. وإذا نجح في تسجيل ثنائية جديدة أمام فرنسا، فسيصبح أول لاعب يسجل هدفين أو أكثر في كل واحدة من أول ثلاث مباريات له في كأس العالم منذ عام 1954.
ويملك هالاند حاليًا أربعة أهداف، وهو نفس رصيد مبابي، خلف ميسي المتصدر بخمسة أهداف. وسيكون لقاء فرنسا والنرويج فرصة مباشرة للنجمين من أجل تجاوز الأرجنتيني أو على الأقل الاقتراب منه أكثر في سباق الحذاء الذهبي.
من جانبه، سجل مبابي أيضًا ثنائية في المباراة الأخيرة لفرنسا، ليرفع رصيده إلى 16 هدفًا في 16 مباراة بكأس العالم، في رقم مذهل يؤكد مكانته بين أعظم هدافي البطولة. كما أن أهدافه الأربعة في أميركا الشمالية جعلته يتجاوز أوليفييه جيرو ويصبح الهداف التاريخي لمنتخب فرنسا.
ورغم أن المنتخبين ضمنا بالفعل التأهل إلى الأدوار الإقصائية، فإن قيمة المباراة لا تتراجع من الناحية الفردية. فالنجوم الكبار يبحثون دائمًا عن التألق، خاصة حين يقفون وجهًا لوجه في مواجهة مباشرة قد تحسم فصلًا جديدًا من سباق الهدافين في مونديال 2026.

ورغم أن بعض المنتخبات حسمت التأهل أو ودعت البطولة بالفعل، فإن الجولة الثالثة من كأس العالم 2026 لا تزال حبلى بالقصص المفتوحة والأسئلة المعلقة.
هل تواصل الدول المستضيفة الثلاث بدايتها المثالية؟ هل تنجو تونس من نهاية تاريخية كارثية؟ هل أثبتت إسبانيا أنها عادت حقًا؟ هل تملك بلجيكا ما يكفي لتجنب سقوط جديد؟ وأخيرًا، من سيفرض نفسه في صراع هالاند ومبابي؟
كل هذه الأسئلة ستجعل الجولة الثالثة أكثر من مجرد محطة أخيرة في دور المجموعات، بل فصلًا مهمًا في رسم ملامح الأدوار الإقصائية والمرشحين الحقيقيين للذهاب بعيدًا في كأس العالم 2026.