
مقدمة صحفية:
تستعد الولايات المتحدة، إلى جانب كندا والمكسيك، لاستضافة أكبر نسخة من كأس العالم لكرة القدم في التاريخ عام 2026، حيث تم بيع أكثر من خمسة ملايين تذكرة حتى الآن، في حدث يتوقع أن يجمع جماهير غير مسبوقة عبر 16 مدينة على مدار 39 يوما. ورغم الاستعدادات الأمنية الضخمة، يبرز غياب واضح للتنسيق والتمويل في مجال الصحة العامة، ما يثير تساؤلات حول جاهزية الدول المضيفة لمواجهة التحديات الصحية المحتملة.
تعد بطولة كأس العالم 2026 أكبر تجمع جماهيري في تاريخ الولايات المتحدة، متجاوزة بكثير أرقام الحضور التي سجلتها نسخة قطر 2022 والتي بلغت 3.4 مليون متفرج. وقد لعب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دورا محوريا في دعم ملف الاستضافة، حيث أنشأ فريق عمل خاص بالبيت الأبيض يشرف عليه بنفسه، وتلقى جائزة “السلام” الأولى من الفيفا خلال مراسم سحب القرعة في ديسمبر الماضي.
ورغم هذا الزخم السياسي والتنظيمي، خصصت الحكومة الفيدرالية الأمريكية مبلغ 625 مليون دولار فقط لتعزيز الأمن ومكافحة المخاطر الأمنية خلال البطولة، دون أي تمويل مخصص للصحة العامة.
أشارت الدكتورة سيلين غوندر، طبيبة الأمراض المعدية وعالمة الأوبئة، إلى وجود فجوات واضحة في الاستعدادات الصحية للبطولة. وتستند غوندر في ملاحظاتها إلى خبرتها الشخصية والمهنية، حيث كان زوجها الراحل، الصحفي الرياضي الشهير غرانت واهل، قد غطى عدة نسخ من كأس العالم لصالح مجلة “سبورتس إلوستريتد” منذ 1998، وتوفي خلال تغطيته لمونديال قطر 2022.
وتؤكد غوندر أن كل حدث جماهيري بهذا الحجم يتطلب تنسيقا مركزيا في مجال الصحة العامة، مستشهدة بحوادث سابقة مثل تفشي فيروس النوروفيروس في مونديال ألمانيا 2006، وحالات الحصبة في أولمبياد فانكوفر 2010، ووفاة أكثر من 1300 حاج بسبب موجة الحر في موسم الحج 2024، بالإضافة إلى تفشي السحايا بين معتمري العمرة، وتسجيل حالات نوروفيروس في قرية الرياضيين بأولمبياد ميلانو الشتوي قبل أشهر قليلة.
الدكتور زياد ميمش، الذي أدار ملف الأمن الصحي في مواسم الحج لسنوات، شدد على أهمية وجود سلسلة قيادة موحدة وتدفق بيانات لحظية إلى مركز قيادة مركزي كل خمس دقائق. وأوضح أن تعدد الجهات العاملة بشكل مستقل يضعف الاستجابة، مؤكدا أن غياب كيان مركزي مسؤول عن الصحة العامة في بطولة تقام عبر ثلاث دول يمثل خطرا كبيرا.
أكدت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA) أن برنامج منح كأس العالم البالغ 625 مليون دولار يقتصر على تمويل الأنشطة الأمنية مثل التدريب، والتحقق من خلفيات الموظفين، والأمن السيبراني، وزيادة أعداد الشرطة والاستجابة للطوارئ، ولا يشمل أي دعم للصحة العامة أو سلامة الغذاء أو الأمن البيولوجي.
كما أكد مسؤولو الصحة في مدن دالاس، كانساس سيتي، بوسطن وسياتل عدم تلقيهم أي تمويل إضافي من الحكومة الفيدرالية لدعم جهود الصحة العامة خلال البطولة.
لم يقم مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) بإجراء تقييم وطني خاص بمخاطر كأس العالم، بل اكتفى بتوجيه إدارات الصحة المحلية لتحديد المخاطر ذات الأولوية في نطاقها الجغرافي، وأحال أي أسئلة حول التنسيق إلى فريق عمل البيت الأبيض. في المقابل، بدأت وكالة الصحة العامة الكندية تقييما خاصا لمخاطر الاستيراد، وتستعد لتقييم سريع لمخاطر الإيبولا.
ورفض فريق عمل البيت الأبيض الرد على استفسارات متكررة من الإعلام والكونغرس، وأكد مصدر في الكونغرس أن اللجنة المعنية بالأمن الداخلي تشعر بالقلق من غياب التفاصيل حول الاستعدادات لمواجهة التهديدات البيولوجية.
أوضح براين كاتزويتز، المتحدث باسم الاتحاد الأمريكي لكرة القدم، أن بروتوكولات الصحة العامة والاستعدادات تقع على عاتق المدن المضيفة، دون تأكيد واضح حول مدى إشراك إدارات الصحة المحلية في هيكلية التنسيق. ولم تصدر الفيفا أي تعليق رسمي حول هذه المسألة.
في منتصف مايو، تم رصد فيروس الحصبة في مياه الصرف الصحي بمدينة كانساس سيتي، التي ستستضيف ست مباريات من كأس العالم وتضم أربعة معسكرات للمنتخبات الوطنية. وأكد الدكتور ويليام غوديل، عالم الأوبئة في مركز الجائحة بجامعة براون، أن ظهور الحصبة في مياه الصرف يسبق عادة ظهور الحالات في أقسام الطوارئ بخمسة إلى سبعة أيام.
من جانبها، صرحت الدكتورة جينيفر نوزو، مديرة مركز الجائحة بجامعة براون، أن استمرار انتقال الحصبة دليل واضح على عدم جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة طوارئ بيولوجية خطيرة.
ولاية تكساس، التي ستستضيف مباريات في دالاس وهيوستن، حصلت على تقييم “منخفض” في تصنيفات الجاهزية الوطنية، وتفتقر للاعتماد من مجلس اعتماد الصحة العامة وبرنامج اعتماد إدارة الطوارئ. وأكدت الدكتورة نادين غراسيا، الرئيس التنفيذي لمنظمة “Trust for America’s Health”، أن إدارات الصحة المحلية مطالبة بالاستعداد لحدث دولي ضخم دون أي تمويل فيدرالي مخصص.
وأشارت الدكتورة لورا إيفانز، مديرة النظام الوطني للأمراض الخاصة، إلى أن المستشفيات لم تتلق أي موارد إضافية للتحضير للبطولة.
في يناير 2025، أجرى النظام الوطني للأمراض الخاصة تمرينا لمحاكاة تفشي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) خلال كأس العالم، وكشف عن ثغرات في التنسيق بين المدن وسرعة التعرف على الحالات وزيادة القدرة الاستيعابية. وأوضحت الدكتورة كروتيكا كوبالي، طبيبة الأمراض المعدية في دالاس، أن اختبارات التشخيص السريع لا تكشف عن MERS، وأن الكشف يتطلب شبكة مختبرات الاستجابة الحكومية، وهو أمر قد لا يخطر على بال معظم الأطباء.
وفي نيويورك، التي ستستضيف النهائي على ملعب “ميتلايف”، أكد الدكتور فيكرامجيت موخيرجي أن تفشي MERS قد يتحول بسهولة إلى حدث فائق الانتشار في أقسام الطوارئ أو الملاعب المزدحمة. وتضم نيويورك وحدة احتواء حيوي واحدة فقط بسعة 12 سريرا، بينما يوجد على المستوى الوطني 26 سريرا فقط موزعة على 13 مركزا إقليميا.
أفادت الدكتورة مارفيا جونز، مديرة الصحة في كانساس سيتي، أن المدينة تتوقع إقامة جماهيرية في مخيمات غير رسمية تفتقر للمياه والصرف الصحي، وهي ظروف تسببت سابقا في تفشي التهاب الكبد الوبائي “أ” في سان دييغو عام 2017. وأعربت عن قلقها من صعوبة تتبع وعزل المصابين في تلك المخيمات في حال حدوث تفشيات.
تسلط هذه المعطيات الضوء على فجوة خطيرة في الاستعدادات الصحية لكأس العالم 2026، رغم الجهود الأمنية والتنظيمية الضخمة. غياب التمويل والتنسيق المركزي، وعدم إجراء تقييمات مخاطر شاملة، يضع المدن المضيفة أمام تحديات معقدة في حال حدوث طوارئ صحية أو تفشيات أوبئة. كما أن الاعتماد على الموارد المحلية فقط قد يرهق أنظمة الصحة العامة، خاصة في ظل التوقعات بحضور جماهيري غير مسبوق وظروف معيشية صعبة لبعض المشجعين.
مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، يبقى نجاح البطولة مرهونا ليس فقط بالاستعدادات الأمنية والتنظيمية، بل أيضا بمدى قدرة الدول المضيفة على حماية الصحة العامة والتعامل مع أي طارئ صحي محتمل. فهل تنجح الولايات المتحدة وشركاؤها في سد هذه الفجوة قبل صافرة البداية؟ الأيام القادمة ستكشف الإجابة.