
في عالم الرياضة، لا توجد لحظات تثير المشاعر الجياشة وتفجر الانفعالات كما يفعل تسجيل هدف في نهائيات كأس العالم لكرة القدم. تحت أنظار العالم أجمع، ومع ارتباط الحدث بالفخر الوطني، يتحول تسجيل الأهداف في أكبر مسرح كروي إلى مشاهد من النشوة المطلقة، حيث يركض اللاعبون بجنون، أو ينهارون على أرضية الملعب، أو يحتفلون بطرق تظل محفورة في ذاكرة البطولة إلى الأبد.
انطلاقاً من هذه الحقيقة، نستعرض معكم في هذا التقرير عبر 90Match أكثر 10 احتفالات أهداف جنونية وغير قابلة للسيطرة في تاريخ كأس العالم، لحظات تجسد تماماً ما يعنيه التسجيل عندما يكون كل شيء على المحك.
كان احتفال المهاجم الإكوادوري إيفان كافيديس مخططاً له بلا شك، لكنه لم يكن بأي حال من الأحوال احتفالاً تقليدياً أو يمكن وصفه بالمتحكم فيه. بعد تسجيله الهدف الثالث للإكوادور – وهو هدفه الأول في تاريخ مشاركاته بكأس العالم – خلال الفوز 3-0 على كوستاريكا في دور المجموعات من مونديال 2006، انطلق كافيديس مباشرة نحو خط التماس، وأخرج قناع سبايدرمان الأصفر من سرواله القصير، وارتداه على وجهه، ثم وقف رافعاً ذراعيه.
كان هذا الاحتفال بمثابة تكريم لزميله الراحل أوتيلينو تينوريو، الذي اشتهر بهذا الاحتفال قبل أن يلقى حتفه بشكل مأساوي في حادث سيارة عام 2005. لحظة جمعت بين الحزن والوفاء، حيث عبّر كافيديس عن مشاعره الخالصة من الحزن والحب. وقد صرّح لاحقاً: “أوتيلينو يرافقنا من السماء”.
احتفال ديفيد بيكهام الشهير أمام الأرجنتين في كأس العالم 2002 كان لحظة خالصة من الارتياح والانتصار الشخصي. قبل أربع سنوات، كان لاعب وسط مانشستر يونايتد حينها قد طُرد أمام نفس الخصم بعد تدخله على دييغو سيميوني في دور الـ16، وهو ما ساهم بشكل كبير في خروج إنجلترا وتحويل بيكهام إلى كبش فداء على مستوى البلاد.
وعندما التقى المنتخبان مجدداً في دور المجموعات عام 2002، كان الضغط على بيكهام هائلاً. لكنه رد بأفضل طريقة ممكنة، مسجلاً هدف الفوز الوحيد من ركلة جزاء ليقود إنجلترا إلى الدور الثاني ويقصي الأرجنتين المرشحة للقب مبكراً. لحظة دخول الكرة الشباك، انفجر بيكهام في احتفال عاطفي، ركض نحو الراية الركنية، وجذب قميصه بقوة وقبّل شعار إنجلترا، في مشهد أفرغ فيه سنوات من الإحباط والنقد وخيبة الأمل.
تسجيل هدف صاروخي في الزاوية العليا من مسافة 25 ياردة في كأس العالم كفيل بإشعال احتفالات جامحة من أي لاعب، لكن بالنسبة للظهير الأيمن البرازيلي جوزيمار، كان الأمر أكثر خصوصية. ففي ظهوره الأول بقميص البرازيل خلال آخر مباريات دور المجموعات في مونديال 1986 أمام أيرلندا الشمالية، راوغ جوزيمار بعض المدافعين وأطلق تسديدة مذهلة من زاوية ضيقة قبل نهاية الشوط الأول.
الفرحة التي تلت الهدف كانت واضحة للجميع. مدافع بوتافوغو انطلق محتفلاً، يركض في أرجاء الملعب بذراعيه المرفوعتين وركبتيه ترتفعان عالياً، وابتسامة عريضة تملأ وجهه، ليبدو وكأنه أسعد رجل في الملعب عن جدارة.
ربما يكون احتفال روجيه ميلا الشهير بالرقص في كأس العالم 1990 هو الأكثر شهرة وتأثيراً في تاريخ الاحتفالات الكروية، إذ يُعتبر بداية عصر الاحتفالات الجماعية والمبتكرة. المهاجم المخضرم كان أحد مفاجآت البطولة، حيث سجل أربعة أهداف وقاد الكاميرون إلى ربع النهائي في إنجاز تاريخي.
في كل مرة كان يسجل فيها، يتجه ميلا إلى الراية الركنية ويؤدي رقصة أسطورية، يهز فيها وركيه ويندمج في لحظة فرح لا يمكن أن تأتي إلا من كأس العالم. أصبح هذا الاحتفال أحد أبرز صور مونديال إيطاليا 90، وحوّل ميلا إلى أيقونة عالمية، وأضفى على البطولة لمسة من الإيقاع والثقة لم يشهدها العالم الكروي من قبل.
كان فابيو غروسو أحد الأبطال غير المتوقعين في مونديال 2006. ففي نصف النهائي المثير أمام ألمانيا على أرضها في دورتموند، ظل التعادل سيد الموقف حتى الوقت الإضافي، حين أطلق غروسو تسديدة رائعة بيسراه استقرت في الزاوية البعيدة، مانحاً إيطاليا التقدم الحاسم الذي أهلها للنهائي، والذي توجت فيه لاحقاً باللقب.
انطلق غروسو محتفلاً في حالة من عدم التصديق، والدموع تنهمر من عينيه وهو يصرخ “Non ci credo!” (لا أصدق ذلك!)، يهز رأسه من شدة الصدمة والفرح في آن واحد.
لا تحاولوا تقليد هذا الاحتفال في المنزل! بعد تسجيله هدفاً رائعاً برأسه في مرمى السويد في مونديال 2002، أمتع المهاجم النيجيري جوليوس أغاهوا الجماهير بأحد أكثر الاحتفالات بهلوانية في تاريخ البطولة، حيث نفذ سبع شقلبات خلفية متتالية على أرضية الملعب قبل أن يهبط بثبات، في حركة كانت لتثير إعجاب حتى البطلة الأولمبية سيمون بايلز.
صحيح أن تنفيذ مثل هذه الحركات يتطلب سيطرة كبيرة على الجسد، لكن الأدرينالين الذي دفع أغاهوا لمحاولة ذلك في هذا الحدث الضخم كان خارج السيطرة تماماً.
عندما واجهت السنغال فرنسا في أول مباراة لها بتاريخ كأس العالم 2002، كان الجميع يتوقع أن يكتسح حامل اللقب المنتخب الإفريقي المغمور. لكن ما حدث كان من أكبر مفاجآت البطولة، حيث تغلب “أسود التيرانغا” على “الديوك” بهدف دون رد سجله لاعب الوسط القوي بابا بوبا ديوب في الشوط الأول.
وكما هو متوقع، أشعل هدف ديوب احتفالات هستيرية بين لاعبي السنغال. ركض ديوب نحو الركنية، خلع قميصه ووضعه على الأرض، ثم بدأ هو وزملاؤه يرقصون حوله في مشهد لا يُنسى.
احتفال دييغو مارادونا بعد تسجيله في مرمى اليونان في مونديال 1994 كان خارج السيطرة – ولكن لأسباب غير إيجابية. بعد تسجيله الهدف الثالث للأرجنتين في الفوز 4-0، ركض الأسطورة الأرجنتينية مباشرة نحو الكاميرا، بعينين جاحظتين وفم مفتوح وذراعين تتحركان بجنون في لحظة أصبحت أيقونية.
لكن تبين لاحقاً أن وراء هذا المشهد الغريب ما هو أكثر من مجرد أدرينالين. فبعد المباراة، جاءت نتيجة فحص مارادونا إيجابية لمادة الإفدرين المحظورة، ليتم استبعاده من البطولة. وبدون قائدهم وملهمهم، خرجت الأرجنتين سريعاً من دور الـ16 على يد رومانيا.
غالبية اللاعبين يركضون بعيداً عن المرمى بعد التسجيل للاحتفال مع زملائهم، لكن رشيدي يكيني كان له رأي آخر في مونديال 1994. في أول مشاركة لنيجيريا في كأس العالم، سجل يكيني أول هدف في تاريخ “النسور الخضر” في البطولة خلال الفوز 3-0 على بلغاريا، حيث تابع كرة عرضية منخفضة وأسكنها الشباك، ليحمله اندفاعه مباشرة إلى داخل المرمى.
ما تلا ذلك أصبح من أشهر صور البطولة: يكيني واقفاً داخل الشباك، ممسكاً بالشبكة، يصرخ من شدة الذهول، في لحظة لم تكن احتفالاً تقليدياً بقدر ما كانت تنفيساً عاطفياً هائلاً خرج من أعماقه دفعة واحدة.
هدف ماركو تارديللي في نهائي كأس العالم 1982 أمام ألمانيا الغربية لم يكن هدفاً عادياً، بل كان الهدف الثاني لإيطاليا في الفوز 3-1 الذي منحها اللقب. في لحظة التسجيل، لم يكن تارديللي يدرك مدى أهمية الهدف، لكن ردة فعله قالت كل شيء. انطلق يركض في حالة من التحرر التام، الدموع في عينيه، قبضتيه مشدودتان إلى صدره، يهز رأسه ويصرخ “جول! جول!” باتجاه دكة البدلاء الإيطالية.
هذه اللحظة، التي باتت تُعرف باسم “صرخة تارديللي”، تُعد من أصدق وأقوى لحظات الانفعال في تاريخ كأس العالم وكرة القدم عموماً.
تابعوا تغطيتنا المستمرة لأبرز أحداث كأس العالم، التحليلات، والتقارير الحصرية لحظة بلحظة.