
حقق منتخب الولايات المتحدة الأمريكية انتصارا مثيرا على نظيره الأسترالي بنتيجة نظيفة 2-0 يوم الجمعة تحت أشعة شمس سياتل، مؤكدا بذلك تصدره لترتيب المجموعة الرابعة في بطولة كأس العالم 2026. ورغم أن المباراة لم تتسم بالجمالية الفنية، بل شهدت لحظات غير متحضرة كاللحظة التي التف فيها مدافع أستراليا الأسترالي هاري سوتار البالغ ارتفاعه 1.98 متر حول مهاجم الفريق الأمريكي فولارين بالوجون الذي يبلغ طوله 1.78 متر، مما أدى إلى مشادة صغيرة وحصول كلا الفريقين على بطاقات صفراء، إلا أن الأمريكيين نجحوا في تحقيق هدفهم بكفاءة.
يواجه المنتخب الأمريكي الآن نسخته الأخيرة من خصوم المجموعة الرابعة وهو منتخب تركيا يوم الخميس القادم. وقبل التركيز على هذا الاختبار الحاسم، تبرز ثلاث نقاط رئيسية من الانتصار الحيوي على أستراليا.
لقد كان المنتخب الأمريكي يفتقد نجمه الأساسي كريستيان بوليسيك على أرضية الملعب، لكن لاعبين آخرين ظهروا بسرعة في المقدمة. الهدف الذي سجله المنتخب في الدقيقة الحادية عشرة والذي منح الفريق الأمريكي التقدم المبكر، وإن كان من الناحية الفنية هدفا في مرمى أستراليا، جاء نتيجة العبقرية الخالصة للاعب فولارين بالوجون.
اندفع لاعب الوسط البالغ 24 عاما نحو الجناح الأيسر، قاطعا باتجاه خط المرمى وتحديه المدافعين الضخام في الصف الخلفي الأسترالي. واستخدم ظهر قدمه اليمنى لضرب الكرة عبر منطقة الجزاء إلى اللاعب ريكاردو بيبي القادم بسرعة. كاميرون بيرجيس البالغ طوله 1.93 متر، الذي حاول بشراسة تصحيح الموقف، وصل إلى الكرة قبل الجميع، لكن بدلا من إبعادها فوق العارضة، سلمها بنعومة إلى الشباك.
رغم أن ورقة الإحصائيات لن تعطي بالوجون حقه الكامل لهذا الهدف الضخم، إلا أن هناك لحظات براقة أخرى في الأفق لهذا المهاجم الشاب. سجل هدفين في مباراته الأولى بكأس العالم الأسبوع الماضي، محققا نصف أهداف المنتخب الأمريكي في فوزه الساحق 4-1 على باراغواي في ملعب سوفي ستاديوم، ليصبح أول لاعب في المنتخب الأمريكي يسجل أكثر من هدف واحد في كأس العالم منذ النسخة الأولى للبطولة عام 1930، وبذلك يضع نفسه في مقدمة سباق الحذاء الذهبي.
كما كان أليكس فريمان، أصغر لاعب في قائمة منتخب الولايات المتحدة بسن 21 سنة فقط، نجما براقا يوم الجمعة. بدا مدافع الوسط الأيمن في حالة ارتباك في الدقائق الأولى ضد أستراليا؛ لكنه سرعان ما تكيف مع أسلوب الضيوف، متوقعا اللحظات التي قد يحاول فيها الأستراليون المفاجأة بهجمة سريعة. لم يكتف فريمان بتقديم عرض دفاعي قوي مع خمس تنظيفات وأربع عمليات قطع، بل سجل أيضا الهدف الثاني للمنتخب الأمريكي في الدقيقة الثالثة والأربعين برأسية عالية فوق الرأس عقب ارتداد الكرة، لتكون هذه هديته الدولية الثالثة.
تجدر الإشارة إلى أن بطولة كأس العالم 2026 التي تقام عبر أراضي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تهدف إلى تعزيز شعبية الرياضة الملكية عبر قارة لا تزال تسعى إلى فهمها وتقديرها. لكن من المهم بالقدر ذاته أن البطولة تثبت أيضا قدرتها على تحسين مستويات المنتخب الأمريكي، دولة عانت طويلا في البطولة العالمية.
يثبت فريق النجوم والأشرطة الآن قيمته على الساحة العالمية وموقعه كمنتخب حقيقي ينافس على البطولة. بل أكثر من ذلك، يثبت الإمكانية الحقيقية جدا لنجاحات أعظم في المستقبل، نظرا لأن الفريق يعتمد بقدر كبير على النجوم الشابة الناشئة مثلما يعتمد على نجوم محترفين راسخين أمثال كريستيان بوليسيك وويستون ماكيني.
شكلت أستراليا تحديا فريدا للمنتخب الأمريكي. لم تسمح الفريق الأسترالي بمجرد هيمنة الأمريكيين على امتلاك الكرة وتحديد إيقاع اللعبة، بل شجعت ذلك بالفعل، واختارت التحصن في الدفاع بخمسة مدافعين في الصف الخلفي وأربعة لاعبين في المنطقة الوسطية. أبقت الكنغر الأحمر الفريق الأمريكي مشغولا في وسط الملعب، وكانت الخطة بالضبط أن تقابل رتابة التمريرات الجانبية للأمريكيين بضربات سريعة. كل ما كان ينتظره الأستراليون هو لمسة قدم كبيرة جدا، أو جري متأخر بخطوة واحدة، أو حتى خطأ صغير في الموقع.
كان هذا نوع الاستراتيجية التي تتطلب من موريسيو بوتشيتينو كمدرب أن يفكر بعمق وتركيز، وقد نجح في كل جوانبها.
استبدل المدير الفني السابق لنادي توتنهام هوتسبير ولنادي باريس سان جيرمان ونادي تشلسي تشكيلة المنتخب الأمريكي بنظام الثلاثة مدافعين قبل بدء اللعبة، واثقا بأن ثلاثيته الدفاعية يمكنها الغطاء على بعضها في أي هجمات معاكسة سريعة، مما مكن أنطونيو روبنسون وسيرجينيو ديست من الاندفاع لأعلى الملعب دون القلق من ضرورة كونهم الأولين دائما في الدفاع المرتد.
كان قرار بوتشيتينو بجعل بالوجون وريكاردو بيبي يلعبان معا في خط الهجوم قرارا غير متوقع لكنه عبقري، حيث لعب المهاجمان معا مرتين فقط من قبل. عادة ما يلعب بالوجون وحيدا في خط الهجوم وأثبت نجاحه في مهماته الفردية.
مع ذلك، بمساعدة روبنسون وديست كأجنحة شبه مرتجلة، سرعان ما غمر الثنائي الهجومي خط الدفاع الخماسي القوي لأستراليا، مما سمح للمنتخب الأمريكي بفعل بالضبط ما لم تتمكن تركيا من فعله ضد أستراليا: استغلال الفرص النادرة. دخل الأمريكيون الشوط الثاني بهدفين من متوسط قيمة متوقعة يبلغ 1.20 درجة وتسع محاولات إجمالية.
سمح الثنائي الهجومي أيضا لبالوجون بالانتشار بشكل أوسع، وهي مكان غير متوقع له على أرضية الملعب، لكن سرعته أثبتت أنها أكثر فتكا من الجناح الأيسر، حيث تفوق بشكل متكرر على لاعب الوسط الأسترالي جاكوب إيطالياني، بينما بقي بيبي في المركز.
قال بالوجون عن بوتشيتينو بعد انتهاء المباراة: “يعطينا دائما أفكارا مختلفة للهجوم. اللعب مع بيبي اليوم لم يكن صدمة. لم يكن خطة بديلة لأن كريستيان كان غائبا. بدا وكأنه حل آخر للفوز بالمباراة. لعبت أستراليا بخمسة مدافعين، لذا وجود مهاجمين يشغلان المدافعين في المركز فكرة جيدة أيضا. هذا فضل للمدرب، وترى اليوم أنه نجح.”
ضمن الفوز الشاق على أستراليا الجزء الأول من التاريخ الذي يسعى المنتخب الأمريكي لإعادة كتابته هذا الصيف على أرضه. حيث أصبح هذا أول مرة منذ عام 1930 يحقق المنتخب الأمريكي انتصارين في مرحلة المجموعات. في تلك البطولة الافتتاحية ذات الثلاثة عشر فريقا، فاز الأمريكيون في مباراتين متتاليتين ضد بلجيكا وباراغواي للتقدم إلى المرحلة شبه النهائية، حيث تعرضوا للضرب القاسي بهزيمة ثقيلة من الأرجنتين بنتيجة 6-1.
آخر مرة فاز فيها الفريق الأمريكي مرتين في بطولة كأس العالم، عبر جميع المراحل، كانت عام 2002، عندما فاجأ البرتغال بنتيجة 3-2 في مباراة المجموعات الأولى قبل أن يهزم المكسيك 2-0 في دور الستة عشر للتقدم إلى ربع النهائي، وهي أبعد مرحلة وصل إليها الفريق في العصر الحديث من البطولة.
بعد السيطرة على مبارياته الأولى في المجموعة الرابعة، يبدو أن صنع المزيد من التاريخ مقدر له أن يحدث.