هولندا

تحمل مواجهة هولندا ضد السويد في الجولة الثانية من منافسات كأس العالم 2026 أكثر من مجرد صراع على النقاط داخل المجموعة، إذ تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر اللحظات الخالدة في تاريخ كرة القدم، تلك التي وُلدت في مباراة جمعت المنتخبين قبل أكثر من نصف قرن، وتحولت لاحقاً إلى جزء لا يُنسى من ذاكرة اللعبة.

قد لا تبدو المباراة، عند النظر إليها من زاوية حسابات المجموعة فقط، الأكثر إثارة في البطولة، خاصة أن المنتخبين يملكان أكثر من 90% من فرص التأهل إلى الأدوار الإقصائية وفقاً لتقديرات الحاسوب الخارق من أوبتا، لكن خلف هذا الموعد قصة أعمق بكثير، تعود إلى مونديال 1974، حين التقت هولندا والسويد في مباراة انتهت بالتعادل 0-0، لكنها لم تكن أبداً مباراة عادية.

أول مواجهة مونديالية بين هولندا والسويد منذ 1974

مباراة الجولة الثانية في كأس العالم 2026 ستكون أول لقاء بين هولندا والسويد في كأس العالم منذ تلك المواجهة التاريخية قبل 52 عاماً.

السويد تدخل اللقاء بمعنويات مرتفعة بعد اكتساح تونس، بينما تبحث هولندا عن استعادة توازنها بعد التعادل المثير أمام اليابان، عندما استقبلت هدف التعادل المتأخر في نهاية المباراة.

ورغم أن المنتخب الهولندي لا يواجه خطراً كبيراً على مستوى حسابات التأهل، خاصة مع تبقي مواجهة تونس أيضاً، فإن هذه المباراة تحمل بعداً تاريخياً مختلفاً، لأنها تعيد التذكير بلحظة صنعت واحدة من أشهر مهارات كرة القدم على الإطلاق.

تعادل سلبي.. لكنه غيّر تاريخ اللعبة

من ينظر فقط إلى نتيجة مباراة هولندا والسويد في كأس العالم 1974 قد يظن أنها كانت مباراة باهتة بلا أحداث، فالتعادل السلبي غالباً لا يترك أثراً كبيراً في الذاكرة.

لكن هذه النظرة تختزل مباراة كانت في الحقيقة مسرحاً للحظة أصبحت لاحقاً من أكثر اللقطات تأثيراً في تاريخ كرة القدم.

تلك المباراة شهدت ولادة مهارة “دوران كرويف”، أو ما يعرف عالمياً باسم Cruyff Turn، وهي واحدة من أكثر الحركات الفنية شهرة واستمراراً في اللعبة، وما زالت تُستخدم حتى اليوم في كل المستويات، من أكبر ملاعب كرة القدم إلى المباريات الشعبية.

كيف وُلدت “دوران كرويف” أمام السويد؟

بعد بداية بطيئة للمباراة، بدأت هولندا تفرض سيطرتها تدريجياً بفضل موهبة يوهان كرويف، النجم الذي كان في ذلك الوقت أحد أكثر لاعبي العالم إثارة وتأثيراً.

وخلال المباراة، حاول كرويف تقريباً بمفرده دفع منتخب بلاده نحو الانتصار، وقدم عرضاً فردياً مذهلاً على مستوى المراوغات والتحرك بالكرة.

وسجل كرويف خلال اللقاء 11 مراوغة ناجحة، وهو رقم عادل ما حققه أوزيبيو أمام المجر في كأس العالم 1966، والذي كان يُعد رقماً قياسياً في ذلك الوقت منذ بدء تسجيل هذه البيانات.

ولاحقاً، لم يتم تجاوز هذا الرقم في مباراة واحدة بكأس العالم سوى من قبل خمسة لاعبين فقط.

وفي منتصف الشوط الأول، جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء.

كان كرويف يتحرك على الجهة اليسرى وتعرض للضغط من المدافع السويدي يان أولسون. وبدا وكأنه سيتراجع أو يرسل كرة عرضية بقدمه اليمنى، لكنه في لحظة واحدة أوهم المدافع بحركة التسديد أو العرضية، ثم سحب الكرة خلف ساقه وغير اتجاهه بالكامل، تاركاً أولسون في حالة ذهول تام.

الجماهير تفاعلت مع اللقطة بصخب كبير، ورغم أن التمريرة التي تلت المهارة لم تتحول إلى هدف، فإن تلك اللحظة كانت كافية لتدخل التاريخ.

من هنا، وُلدت “دوران كرويف”.

كرويف أبدع.. لكن هولندا لم تفز

رغم كل سحر كرويف في تلك المباراة، فإن المنتخب الهولندي لم ينجح في ترجمة تفوقه إلى فوز.

هولندا صنعت فرصاً بقيمة 3.73 هدف متوقع (xG) وسددت 30 كرة على المرمى خلال اللقاء، لكنها اكتفت في النهاية بالتعادل السلبي، رغم تقديمها واحدة من أكثر العروض هيمنة في تلك النسخة من كأس العالم.

ومع ذلك، لم تكن تلك النتيجة نهاية الحكاية بالنسبة لهولندا.

فالمنتخب الهولندي واصل طريقه في البطولة ووصل إلى المباراة النهائية، قبل أن يخسر أمام ألمانيا الغربية 2-1 في المشهد الختامي للمونديال.

أما كرويف، فقد بقيت بصمته أكبر من نتيجة مباراة واحدة، لأن تأثيره الكروي وفنه الفردي استمرا لعقود، وهذا المقال نفسه دليل على ذلك.

ماذا تقول الأرقام الحديثة عن عبقرية كرويف؟

في السنوات الأخيرة، قامت أوبتا بتحليل شامل لجميع مباريات كأس العالم منذ نسخة 1966، وهو ما أتاح للمرة الأولى قياس أداء كرويف في تلك المباراة التاريخية بالأرقام الدقيقة، وليس فقط بالانطباعات أو اللقطات المصورة.

وبفضل هذا التحليل، أصبحنا نعرف الآن أن 11 مراوغة ناجحة التي سجلها كرويف ضد السويد لم تكن مجرد رقم مميز، بل كانت بالفعل من بين أعلى الأرقام في تاريخ البطولة.

بل إن هذا الرقم لم يتم تجاوزه في مباراة واحدة بكأس العالم سوى خمس مرات فقط.

من اقترب من رقم كرويف في كأس العالم؟

بعد ثماني سنوات من مباراة هولندا والسويد، قدّم المجري تيبور نيلاسي واحدة من أعظم العروض الفردية في تاريخ كأس العالم، عندما قاد منتخب بلاده لاكتساح السلفادور 10-1 في نسخة 1982.

ولا تزال تلك المباراة حتى اليوم الوحيدة التي سجل فيها منتخب 10 أهداف في مباراة واحدة بكأس العالم، كما أنها واحدة من أكبر الانتصارات في تاريخ البطولة.

في تلك المباراة، لم يكتفِ نيلاسي بتسجيل هدفين، بل أكمل 14 مراوغة ناجحة من أصل 15 محاولة، بنسبة نجاح بلغت 93%، وهي أعلى نسبة نجاح بين جميع اللاعبين الذين حاولوا 10 مراوغات أو أكثر في مباراة واحدة بكأس العالم منذ 1966.

وبذلك أصبح نيلاسي صاحب الرقم القياسي لأكبر عدد من المراوغات الناجحة في مباراة واحدة بالمونديال، وهو رقم صمد لأكثر من 40 عاماً.

موسيالا وديوب اقتربا.. لكن رقم كرويف ظل حاضراً

كاد الرقم أن يهتز في كأس العالم 2022، عندما قدّم جمال موسيالا عرضاً مذهلاً مع ألمانيا أمام كوستاريكا، ونجح في إكمال 13 مراوغة ناجحة خلال المباراة.

الرقم نفسه كان قد حققه أيضاً الحاج ضيوف مع السنغال في كأس العالم 2002، خلال مواجهة السويد في دور الـ16، حين تفوق مراراً على المدافع أولوف ميلبيرغ في واحدة من أبرز مبارياته في البطولة.

ورغم أن هذه الأرقام اقتربت من القمة، فإن مشهد كرويف أمام السويد ظل حاضراً بوصفه اللحظة التي لم تكن مجرد مراوغة، بل بداية مهارة أصبحت جزءاً من لغة كرة القدم نفسها.

كأس العالم 2026 يملك أيضاً سحرة المراوغة

نسخة 2026 بدورها لا تخلو من اللاعبين القادرين على تقديم لحظة فنية استثنائية تبقى في الذاكرة طويلاً.

حتى الآن، لم يقترب أحد من أرقام نيلاسي أو حتى كرويف في مباراة واحدة، لكن البطولة تضم عدداً من أفضل المراوغين في العالم حالياً.

فقد أكمل أماد ديالو، نجم كوت ديفوار، 6 مراوغات ناجحة في 34 دقيقة فقط خلال مباراة الإكوادور.

كما أن لامين يامال أنهى موسم 2025-2026 في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى بمعدل 5.28 مراوغة ناجحة كل 90 دقيقة، بينما تجاوز كل من جيريمي دوكو مع بلجيكا ويان ديوماندي مع كوت ديفوار معدل 4 مراوغات ناجحة لكل 90 دقيقة.

قد تبدو هذه الأرقام بعيدة قليلاً عن السجلات التاريخية في كأس العالم، لكن الأمر يحتاج أحياناً إلى مباراة واحدة فقط يدخل فيها لاعب في حالته المثالية، أو إلى لمحة فنية واحدة صغيرة، تتحول بعد سنوات إلى مهارة خالدة يتحدث عنها الجميع.

أكثر من مجرد مباراة في الجولة الثانية

مواجهة هولندا والسويد في كأس العالم 2026 ليست فقط مباراة بين منتخبين يقتربان من التأهل، بل أيضاً تذكير حي بأن بعض المباريات لا تُقاس فقط بالنتيجة، بل بما تتركه من أثر في تاريخ اللعبة.

تعادل 0-0 قبل أكثر من نصف قرن كان كافياً ليمنح كرة القدم واحدة من أشهر مهاراتها على الإطلاق، وربما تحمل مواجهة اليوم لحظة جديدة تعيش لعقود طويلة أخرى.

فمن يدري؟ ربما لا نحتاج في هذه المباراة سوى لمسة واحدة.. مهارة واحدة.. لقطة واحدة، لتولد منها أسطورة جديدة في ذاكرة كأس العالم.

تابع اخر اخبار كرة القدم والتحليلات 

الحصرية 

عبر


www.90match.com