
في لحظة تذكرنا بأن عظمة ليونيل ميسي لا تعرف حدوداً، عاد النجم الأرجنتيني ليسطر فصلاً جديداً من أساطيره في البطولة الأغلى على قلب كل لاعب كرة قدم. ففي ظهوره الأول كبطل العالم، أنار ميسي سماء ملعب أرrowhead ستاديوم في كانساس سيتي بحيث سجل ثلاثية تاريخية ضد الجزائر في افتتاح أرجنتين لحملتها الدفاعية عن اللقب في بطولة 2026.
بهذه الثلاثية المميزة، وصل ميسي إلى رصيد 16 هدفاً في بطولات كأس العالم، معادلاً الرقم القياسي التاريخي للأسطورة الألمانية ميروسلاف كلوزه. لكن ما يزيد من روعة الإنجاز أن النجم الأرجنتيني حقق هذا على مدار أكثر من عقيقتين من الزمن، حيث احتفل بذكرى مرور عشرين سنة على ظهوره الأول في كأس العالم وتسجيله أول أهدافه فيها.
عندما يتعلق الأمر بقائمة أهداف مـيسي في كأس العالم، تبرز قصة من الإصرار والتطور والتميز المستمر عبر خمس بطولات دولية متتالية.
بعد مرور 14 دقيقة فقط من ظهوره الأول على المسرح العالمي، انطلق الشاب مـيسي نحو منطقة الجزاء لاستقبال كرة عرضية من كارلوس تيفيز، ليطلق تسديدة بقدمه اليسرى الضعيفة نحو الشباك. كانت تلك اللحظة تاريخية بحق، فقد أعلنت وصول نجم جديد لسماء كرة القدم العالمية. فازت الأرجنتين بنتيجة ساحقة 6–0 على صربيا والجبل الأسود، وولدت أسطورة مـيسي في كأس العالم في تلك اللحظة الذهبية.
بعد بطولة 2010 المخيبة حيث حرمته القوائم والحارسون من تحقيق أهدافه، وصل مـيسي إلى البرازيل عام 2014 وهو يحمل في قلبه نقطة يريد إثباتها. في المباراة الافتتاحية للأرجنتين، نفذ ميسي جماعياً جميلاً مع غونزالو إيغوان قبل أن يقوم بلمسة إضافية ماهرة أدت إلى اصطدام مدافعين من البوسنة والهرسك. وللمرة الثانية في مسيرته في كأس العالم، ارتطمت الكرة بالقائم، غير أنها هذه المرة ارتدت بسلاسة إلى الشباك، مما أثار جنون الحشد في ملعب ماراكانا الأيقوني.
كانت خطة إيران الدفاعية في مرحلة المجموعات عام 2014 قريبة من الكمال. بدت فريق ألخاندرو سابيلا عاجزاً عن اختراق خط دفاع محكم، وبدا أن المباراة ستنتهي بتعادل سلبي.
لكن لحظة من السحر الفني غيرت كل شيء. قطع ميسي من الجانب الأيسر وأطلق تسديدة منحنية نحو الزاوية العليا، محطماً الجمود في اللحظات الأخيرة من الوقت الإضافي. ذهب كل جهد إيراني الشاق عبثاً أمام لمسة سحرية من عبقري الكرة الأرجنتيني.
يسترجع ميسي ذكرة مؤلمة من كأس العالم 2010، حيث كان من الممكن أن يسجل لولا انفجار حارس نيجيريا فنسنت إينيما، الذي تصدى لأربع تسديدات منه كانت موجهة نحو الشباك.
مرت أربع سنوات، وحان وقت الثأر. سجل ميسي أولاً من تسديدة قوية في سقف الشباك أعطت الأرجنتين الصدارة. ثم لم يكتفِ بهذا، بل تابع الهجوم وسجل الهدف الوحيد من ركلة حرة في رصيده في البطولة حتى الآن، حيث انحنى الكرة بمهارة فائقة فوق الحائط، ما دفع إينيما للالتفات بإحباط وركل الكرة بغضب.
كلما أردنا تجنب الحديث عن حملة الأرجنتين في روسيا 2018 تحت قيادة خورخي سامباولي، كان أفضل. لكن التسديدة الوحيدة لميسي في تلك البطولة كانت فنية رائعة حقاً.
كانت الأرجنتين بحاجة للفوز على نيجيريا للتأهل من مرحلة المجموعات. تحكم مـيسي بتمريرة عائمة جميلة من إيفر بانيغا بمهارة عالية، ثم حمى الكرة بذكاء قبل أن ينزلقها برقة برجله اليمنى الضعيفة في الشباك لتسجيل فتح التسجيل.
انطلقت الأرجنتين بحلم جميل في بطولة قطر بفضل مـيسي الذي سجل بهدوء من ركلة جزاء مبكرة في مباراة الافتتاح ضد السعودية، ليسجل أول هدف من ركلة جزاء له في تاريخ كأس العالم، لكن بالتأكيد ليس الأخير.
تحول الحلم إلى كابوس عندما سجلت السعودية هدفين صادمين في الدقائق العشر الأولى من الشوط الثاني. بقي هذا الهدف الوحيد من مـيسي في مباراة لم تفز فيها الأرجنتين حتى الآن في كأس العالم.
كشف مـيسي بنفسه عن سر هذا الهدف المهم، قائلاً على بودكاست “ميرو دي أتراس”: “بعد هذا الهدف ضد المكسيك، بدأنا نشعر بالارتياح والتحرر، كان إطلاقاً للجميع. عدنا لكوننا أنفسنا، وبدأنا نعتمد على أنفسنا مرة أخرى، والصورة تغيرت تماماً.”
بعد الخسارة أمام السعودية في البداية، كانت الأرجنتين بحاجة ماسة لهزيمة المكسيك بأي ثمن. ظلت المباراة محبوسة تماماً حتى وجد مـيسي الزاوية السفلية، وانفجر الفرح في كل جانب. قبل هدف ميسي، أقر بأن فريقه كان يعاني من الخوف، لكن كل شيء تغير بعد تلك اللحظة الذهبية.
لو لم يكن مـيسي يندفع نحو منطقة الجزاء من الجانب الأيمن، كان نيقولاس أوتامندي سيظل يطارد تمريرته السيئة الأولى. لكن الحظ ابتسم للمدافع الأرجنتيني، فسقطت الكرة بشكل مثالي أمام مـيسي الذي قام بدفعة ذكية بين ساقي أحد المدافعين في الزاوية السفلية ليعطي الأرجنتين الصدارة في دور الستة عشر.
كان هذا أول هدف لمـيسي في مراحل خروج الدور الواحد من كأس العالم، وكان بمثابة تمهيد لما سيأتي بعده.
بعد أن أعد مـيسي لناهويل مولينا بتمريرة تعتبر ربما الأفضل في مسيرته، ضاعف ميسي الأفضلية من ركلة جزاء في ربع النهائي، تاركاً حارس هولندا أندريس نوبيرت مثل تمثال من الرخام.
لكن ما حدث بعدها قد يكون أكثر إثارة للذاكرة. توجه ميسي نحو مقاعد الاحتياط الهولندية، وضع يديه على أذنيه احتفالاً كما لو كان خوان رومان ريكيليمي، لكن الاحتفال كان موجهاً في الواقع نحو مدرب هولندا لويس فان جال بسبب تصريحات أساءت إلى مـيسي قبل المباراة.
انزلقت الأمور بعدها نحو الفوضى عندما حققت هولندا عودة درامية متأخرة. فازت الأرجنتين بـ “معركة لوسيل” من خلال ركلات الجزاء، حيث احتفظ مـيسي برباطة جأشه مرة أخرى.
لم تكن ركلات الجزاء من أقوى جوانب مـيسي عبر مسيرته، لكنه كان حاداً جداً من البقعة تحت ضغط هائل في قطر 2022.
سجل أربع ركلات جزاء بالإضافة إلى ركلتين أخريين في الحكم برجل، وكانت الأقوى منها هي تلك الصاروخية في الزاوية العليا متجاوزة يدي الحارس الطويل دومينيك ليفاكوفيتش بقوة. أعطى هذا الهدف الأرجنتين الصدارة في شبه النهائي ضد كرواتيا، مباراة فازت بها اللاتينيين 3–0.
تعتبر نهائي كأس العالم 2022 أعظم نهائي في التاريخ، وواحدة من أعظم مباريات كرة القدم في التاريخ. أعطى مـيسي الأرجنتين الصدارة مبكراً من ركلة جزاء، حيث أرسل هوغو لوريس في اتجاه خاطئ بتسديدة حكيمة.
أضافت الأرجنتين الهدف الثاني وهيمنت على معظم أجزاء المباراة. ثم ظهر كيليان مبابي وقرر إفساد الحفل، سجل تسديدتان متأخرتان أرسلت المباراة للوقت الإضافي.
في التمديد، أخذ مـيسي موقعاً مثالياً لاستقبال الكرة المرتدة بعد أن صد لوريس تسديدة قوية من لاوتارو مارتينيز من مسافة قريبة جداً. دفع ميسي الكرة برفق رغم محاولة جول كوندي تنظيفها. كان هدفاً مناسباً نسبياً على الرغم من عدم الوضوح الأولي حول ما إذا كانت الكرة قد عبرت خط المرمى كاملة، وكان هناك استعراض إضافي لاحتمال التسلل.
احتسب الهدف وللحظة بدا أنه قد يكون الهدف الحاسم. لكن مبابي كان لديه خطط أخرى وحقق هدفه الثالث دقائق لاحقاً. رغم إصرار مبابي على حرمان ميسي من اللقب الذي طالما رغب فيه، انتصرت الأرجنتين في النهائي من خلال ركلات الجزاء، حيث سجل مـيسي الركلة الأولى. أخيراً حقق ميسي حلماً غالياً عليه، فقد جاب الأرجنتين لقبها الثالث في كأس العالم، حيث سجل سبعة أهداف في سبع مباريات في قطر 2022.
استغرق ميسي 17 دقيقة فقط من حملة الأرجنتين الدفاعية عن اللقب ليبدأ في إثراء إرثه في البطولة، حيث أطلق النار على الفريق ليعطيه الصدارة ضد الجزائر. مرر رودريغو دي بول كرة جميلة بين الخطوط، انطلق ميسي وأطلق تسديدة قوية متجاوزة لوكا زيدان، الذي كان كان بإمكانه فعل المزيد لصد التسديدة لو لم ينحنِ عندما أطلقها ميسي. مع ذلك كانت تسديدة قوية جعلت ميسي ينضم إلى كريستيانو رونالدو كاللاعبين الوحيدين في التاريخ اللذين سجلا في خمس بطولات كأس عالم مختلفة.
في الهدف الثاني، لم يكن للحارس الجزائري أي عذر. ارتكب زيدان خطأ فادحاً في محاولته تنظيف تسديدة ضعيفة من أليكسيس ماك أليستر، تاركاً الكرة المرتدة على طبق من فضة لميسي الذي لم يحتج سوى لدفعة بسيطة برفق الكرة إلى الشباك ليكمل ثنائيته. كان هذا ربما أسهل هدف سيسجله ميسي في كأس العالم، لكنه كان كافياً ليقتربه بشكل كبير من رقم كلوزه.
كانت الثلاثية حتمية بعد أن ضمن ميسي ثنائيته. وجد نيقولاس غونزاليز ميسي على حافة منطقة الجزاء، وفور السيطرة على الكرة، كان العالم بأسره يعلم ما الذي سيحدث بعده: لمستان سريعتان للتوازن ثم تسديدة منحنية داخل الزاوية السفلية لإتمام ثلاثية تاريخية، أول ثلاثية في كأس العالم له.
تحت أضواء ملعب أرrowhead ستاديوم في ليل كانساس سيتي، أصبح ميسي أكبر لاعب في تاريخ كأس العالم يسجل ثلاثية، وفي نفس الوقت عادل الرقم القياسي التاريخي لكلوزه برصيد 16 هدفاً.
بعد عشرين سنة بالضبط من فتحه حسابه في كأس العالم ضد صربيا والجبل الأسود، أثبت ميسي أنه يتقدم بالعمر مثل النبيذ الجيد وحقق ليلة قياسية أخرى، استكمالاً لإرثه كأعظم لاعب كرة قدم في التاريخ.